«الموضوعية والتجرد»
طلب مني أحد الأصدقاء في منشوري السابق أن أروي موقفاً واجهتُ فيه ميزان «الموضوعية والتجرد» بنفسي، حين تعارضت الحقيقة مع مصلحتي المباشرة.
الموقف حدث قبل فترة ليست ببعيدة؛ تواصل معي شخص يطلب مني الاشراف على مشروع اكاديمي وبحثي كامل وانجازه من الصفر بمقابل مادي مغرٍ جداً، وكان يملك ميزانية جاهزة ويبحث فقط عمن يقول له: "أنا جاهز، سلّمني الأمر".
في تلك اللحظة، تدخّل «الهوى» فوراً ليبرر: المشروع فرصة عمل ممتازة، وأنت قادر على صياغته وترتيبه بأفضل شكل، والشخص راضٍ ومستعد للدفع، فلمَ تتردد؟
لكن عندما دققت في موضوع البحث ومستواه، أدركت يقيناً أن تخصصه الدقيق يقع خارج نطاق خبرتي العميقة، وأن قبولي به سيعني تقديم مادة جيدة في مظهرها، لكنها تفتقر للعمق الرصين الذي يستحقه مشروعه، وقد يُحرجه أمام لجنة التقييم لاحقاً.
كان امامي خياران: إما ان أبيع بضاعتي بتجميل، أو أكون مثل صاحب الحمار في الأثر، فأنصف الرجل من نفسي.
أغلقت عيني عن المكسب، واعتذرت له بصراحة.
أخبرته بأنني أستطيع كتابة البحث نظرياً، لكنه لن يخرج بالدرجة العلمية التي يستحقها، وأرشدته إلى شخص آخر اكثر تخصصاً مني في هذا المجال بالذات، رغم علمي بأنني أفرّط في مكسب مالي كنت في أمسّ الحاجة إليه في تلك الفترة.
تلك اللحظة تركت في نفسي درساً لا أنساه: أن تخسر صفقة مالية أهون بكثير من أن تخسر مصداقيتك أمام ضميرك.
الموضوعية والإنصاف ليسا كلاماً نظرياً نكتبه لنحصد به الإعجابات، بل هما قرارات صغيرة، مكلفة وموجعة، نتخذها في الغرف المغلقة حين لا يرانا أحد سوى الله.
#يوميات#لآلئ_اليوم
#معتصم_الكحلاني
#مجتمع
@المتابعون
الغوّاص

40