« إليك انتهيت »
مدينة طنجة لا تشبه المدن، لأنها تقف على الحد الفاصل بين مجمعين؛ تعانق البحر الأبيض المتوسط بيد، وتمسك المحيط الأطلسي بالأخرى، كأنها خلقت لتعلم الإنسان أن الحقيقة لا تسكن طرفا واحدا، وإنما تولد من لقاء الضدين.
كنت أظن، وأنا طفل، أن المدن تنام مثل أهلها، بيد أن طنجة كانت تسهر كل ليلة، وتفتح نوافذها للبحارة، وللعائدين، وللمهاجرين، وللذين يبحثون عن ضفة أخرى. لاسيما في الليالي التي كان الضباب يهبط فيها على الميناء، كنت أشعر أن المدينة تخفي سرا لا تمنحه إلا لمن عرف كيف يصغي إلى صمتها.
نشأت في أحد أحيائها الشعبية، حيث كانت الحياة بسيطة، وكانت الأرصفة تحفظ أسماء الأطفال أكثر مما تحفظها الدفاتر. هناك تعلمت الركض قبل المشي، وتأملت وجوه الناس قبل أن أقرأ الكتب. وكانت أمي تقول إن القلب إذا صفا رأى ما لا تراه العين، ولم أكن أدرك آنذاك أن تلك الكلمات ستصبح فيما بعد أول درس في طريق طويل إلى الله.
طالما حسبت أن الطفولة زمن للعب وحده، ثم اكتشفت بعد سنوات أنها كانت زمن الفطرة؛ ذلك النور الذي يولد مع الإنسان قبل أن تتراكم عليه غبار الدنيا. وسرعان ما بدأت تلك الفطرة تتوارى كلما كبرت، وكلما ازدادت ضوضاء العالم حولي.
كانت طنجة مدينة تعلّمني الانفتاح، بينما كان داخلي يعلمني الانكماش. وكيفما اتسعت الشوارع، كنت أشعر أن شيئا في صدري يضيق. وبما أن النفس لا تقبل الفراغ، فإنها كانت تبحث عن شيء تملأ به وحدتها، دون أن تعرف ماذا تريد حقا.
عندئذ بدأت أولى خطوات التيه.
لم يكن التيه معصية ظاهرة، ولا انحرافا صاخبا، وإنما كان ابتعادا هادئا عن نفسي.
كنت أتعلم كل شيء إلا كيف أصغي إلى قلبي، وأحفظ أسماء المدن ولا أعرف الطريق إلى روحي.
ولم أكن أعلم أن الله، وهو يكتب بدايات الرحلة، كان يخبئ لي نهاية أخرى؛ نهاية تبدأ من حضرته، لا من العالم، وأن الطريق التي أمر منها،يضيئها قمر ينير لي الطريق ؛ إنه السراج المنير و البدر الإكسير ..
لن تكون الحروف التي أتلفظ و أتنفس بها إلا تمهيدا لعبارة واحدة سأكتبها بعد أعوام طويلة:
«إليك انتهيت»
@المتابعون
#مجتمع

52