أُمسية على الجسر
ثمة وقتٌ قصير يفصل بين انتهاء العمل وبداية المساء، لا ينتمي تمامًا إلى هذا ولا إلى ذاك..
وقتٌ أجدني فيه راغبةً في تأجيل العودة إلى المنزل، لا لأن في انتظاري أمرًا سيئًا، بل لأنني أحيانًا أحتاج إلى أن أرى شيئًا غير الأشياء التي اعتدتُ رؤيتها.
غادرتُ العمل بعد يومٍ لا بأس به.
أنجزتُ بعض المهام، وخضتُ أحاديث متفرقة مع زميلتي تمحور جُلها عن الإقتصاد وأسعار السلع، فهو حديث الساعة هذه الأيام على أي حال.
وخرجتُ بانطباعٍ عام مفاده أنني أديتُ واجبي المهني ولم أُسئ إلى أحد، وهذا في بعض الأيام إنجازٌ يستحق الاحتفاء.
لم تكن لديّ وجهة محددة في البداية..
ثم وجدتني أختار "المونيومون"(نصب الأموات) أحببتُ فكرة الصعود إلى مكانٍ أستطيع منه أن أرى المدينة كاملة.
أو ما يسمح به النظر على الأقل..
فقسنطينة لا تُسلّم نفسها دفعةً واحدة، ويبدو أن لديها تحفظاتٍ قديمة بشأن الإفصاح عن أسرارها، مثلي تماماً.
كان المساء رائقًا، والسماء تحمل بقايا غيومٍ عابرة، فيما راحت أضواء المدينة تتسلل إلى المشهد شيئًا فشيئًا..
وقفتُ طويلًا أمام ذلك الامتداد الواسع، وكان الجسر أكثر ما استوقفني.
تأملتُه وهو يعبر الوادي بثبات وتابعتُ السيارات الصغيرة فوقه حتى خُيّل إليّ أن المدينة تملك خيطًا رفيعًا يصل أطرافها بعضها ببعض.
فكرتُ في الذين يعبرونه كل يوم، من يذهب إلى عمله، ومن يعود إلى بيته، ومن يحمل في رأسه حديثًا لم يقله، ومن ينتظر في الطرف الآخر موعدًا قد يتأخر...
يا إلهي إنني أهذي كثيراً...
أقول في نفسي:
كم من الحكايات تعبر جسرًا واحدًا دون أن تلتقي، وكم من الأشخاص يتجاورون في الطريق دون أن يعرف أحدهم شيئًا عن الآخر!
رفعتُ رأسي نحو الطيور...
كانت تحلّق فوق الوادي ثم تنعطف فجأةً وتعود وكأنها تختبر اتساع السماء.
راقبتُها وراودتني رغبةٌ طفولية في أن أملك جناحين...
لا لأهرب من شيء وإنما لأرى المدينة من زاويةٍ أخرى.
ثم تذكرتُ أنني على الأرجح سأقضي الرحلة الجوية في التفكير إن كنتُ قد أغلقتُ باب المنزل جيدًا فتراجعتُ عن الفكرة حفاظًا على سلامة الطيور.
ولأن التأمل لا يُسقط الجوع من الحسابات، ولأنني تذكرت صدفةً أني لم أتناول اليوم شيئا يُذكر..
قررتُ أن أتناول العشاء خارجًا...
لم تكن لديّ رغبة في الطبخ ولا في الوقوف أمام الموقد بعد يوم العمل، ثم غسل الأواني وكأنني أعمل في مطبخ مطعمٍ لم أحصل فيه على راتب.
اخترتُ مكانًا شعبيًا قريباً من الضاحية الغربية حيث أقطن.
طلبتُ وجبتي وجلستُ بهدوء.
للحق، أنا لا أجد حرجًا في تناول الطعام وحدي،
كما لا أجد ضرورةً لأن أشرح ذلك في كل مرة.
ربما لأنني اعتدتُ هذا النمط من الحياة منذ أربع سنوات ونصف تقريبًا أو يزيدون ...
حتى صار العيش منفردةً جزءًا من ترتيب أيامي لا خبرًا عاجلًا يستدعي التعليق.
وبالنسبة إلى غريبةٍ مثلي، لا أرى في الأمر ما يستحق كل هذا العناء.
فأنا أعرف كيف أقضي نهاري وكيف أعود إلى بيتي، وكيف أملأ مساءً لا ينتظر أحدًا..
لستُ في خصومة مع الصحبة ولا أرفض أن يشاركني أحدٌ تفاصيل يومي، لكنني لا أرى أن كل مشوار يحتاج إلى رفيق أيضاً..
ولا أن كل عشاءٍ منفرد يحمل بين طياته مأساةً إنسانية.
ومع ذلك، للأعياد والمناسبات حكاية أخرى.
هناك تحديدًا تتكاثر الكراسي حول الموائد، وتصبح المسافات أكثر وضوحًا، وتجد بعض الذكريات فرصةً مناسبة للجلوس إلى جانبك دون استئذان.
لكنني لا أسمح لها بأن تستأثر بكل الأيام، فالحياة لا يمكن أن تتوقف عند كل مناسبة، وإلا لاحتجنا إلى تقويمٍ خاص لتحديد مواعيد الحزن والانصراف منه.
ما علينا بذلك..
عدتُ إلى البيت في وقتٍ مناسب..
فوجدتُ قططي قد احتفظت لنفسها بحق الاعتراض على غيابي...
كان الاستقبال حافلًا للأمانة، لكنه لم يتضمن أي سؤال عن سلامتي أو عن مجرى يومي.
يبدو أن مفهوم الاهتمام لديها مرتبطٌ ارتباطًا وثيقًا بموعد تقديم الطعام.
أديتُ واجباتي المنزلية الصغيرة، ثم جلستُ أستعيد شيئًا من مشاهد المساء.
بقي الجسر في ذاكرتي، والطيور، والأضواء التي ظهرت تباعًا على سفوح المدينة.
وفكرتُ أن بعض الأمسيات لا تحتاج إلى أن يحدث فيها شيء عظيم حتى تصبح جديرةً بالتذكر.
يكفي أن نغادر أماكننا المعتادة قليلًا، أن نمنح أعيننا مشهدًا جديدًا، وأن نعود محمّلين بتفصيلٍ صغير لا يعرف أحدٌ سوانا لماذا أحببناه...
وهكذا ينتهي يومي..
على أن أستأنف غدًا مهامي المعتادة، بما فيها المهمة الأكثر حساسية، وهي إقناع قططي بأنني لستُ موظفةً لديهنّ بدوامٍ كامل.
#مجتمع_عام #أدب #يوميات @المتابعون
49