خير جليس
أَعَزُّ مَكانٍ في الدُّنَى سَرْجُ سابِحٍ
وَخَيْرُ جَليسٍ في الزَّمانِ كِتابُ
هكذا صدح المتنبي قبل قرون، مختصراً في بيتين من الشعر فلسفة الإنسان في البحث عن المجد والمعرفة، فكان السرج رمزاً للعزة والرفعة، وكان الكتاب رفيقاً لا يخون، وأنيساً لا يمل، ونافذةً يطل منها العقل على عوالم لا تحدها المسافات ولا تقيدها الأزمنة.
لكن ما أشبه الأمس باليوم، وما أبعد المسافة بين زمن كان فيه الكتاب صديق الإنسان الأقرب، وزمن أصبحت فيه الشاشات تستحوذ على معظم وقته، وتتزاحم فيه الصور والمقاطع والإشعارات حتى كادت تخنق صوت الصفحات وتقضي على متعة القراءة الهادئة.
لقد فقد أعز مكان في الدنيا شيئاً من مكانته، وأصبح خير جليس في الزمان مملّاً في نظر كثيرين، لا لعيب في الكتاب، ولا لقصور في محتواه، وإنما لأن طبيعة الحياة تبدلت، وأذواق الأجيال تغيرت، وظهرت ثورة رقمية أعادت تشكيل علاقة الإنسان بالمعلومة والمعرفة.
ففي الماضي، كان الوصول إلى كتاب جديد مغامرة تستحق الانتظار، وكان اقتناء مجلد ثمين أشبه بامتلاك كنز، وكانت المكتبات محطات يقصدها الباحثون عن الحقيقة، ويقضي فيها القراء ساعات طويلة بين الرفوف، يتنقلون من علم إلى علم، ومن فكرة إلى أخرى.
أما اليوم، فقد أصبح العالم بأسره حاضراً في شاشة صغيرة نحملها في جيوبنا؛ بضغطة زر نستطيع الوصول إلى آلاف الكتب، والاطلاع على أمهات المصادر، ومشاهدة المحاضرات، والاستماع إلى العلماء والمفكرين، دون أن نغادر أماكننا.
وهنا تكمن المفارقة العجيبة؛ فقد جعلت الثورة الرقمية المعرفة أقرب إلينا من أي وقت مضى، لكنها في الوقت ذاته جعلت الصبر على تحصيلها أصعب من أي وقت مضى. أصبحنا نبحث عن المعلومة السريعة، ونقرأ العناوين دون التفاصيل، ونتنقل بين المنشورات دون أن نمنح فكرة واحدة الوقت الكافي لتستقر في عقولنا.
لقد اعتدنا الاختصار حتى أصبحنا نضيق بالنصوص الطويلة، ونستثقل الصفحات التي تحتاج إلى تأمل، ونفضل مقطعاً قصيراً على فصل كامل، ومنشوراً عابراً على كتاب يحمل خلاصة تجارب أمة بأكملها.
وليس العيب في التكنولوجيا ذاتها، فهي إنجاز إنساني عظيم، ووسيلة يمكن أن تفتح أمامنا أبواباً واسعة للعلم والإبداع، وإنما العيب في طريقة تعاملنا معها، حين تتحول من وسيلة لخدمة العقل إلى وسيلة تستنزف وقته، ومن نافذة للمعرفة إلى نافذة للتشتت وإهدار الساعات.
فالكتاب لم يمت، وإنما تغيرت صورته؛ فقد غادر بعضه رفوف المكتبات ليستقر في الأجهزة اللوحية والهواتف، وانتقل من الورق إلى الشاشات، لكنه ظل محتفظاً برسالته العظيمة: بناء العقول، وتوسيع المدارك، وتهذيب النفوس.
ولعلنا بحاجة اليوم إلى إعادة الاعتبار للقراءة، لا بوصفها عادة قديمة نتمسك بها من باب الحنين إلى الماضي، بل باعتبارها ضرورة لبناء الإنسان الواعي القادر على التمييز بين الحقيقة والزيف، وبين المعرفة الحقيقية وتكديس المعلومات.
فليس كل من امتلك هاتفاً أصبح مثقفاً، وليس كل من تصفح آلاف الصفحات أصبح واسع المعرفة؛ فالثقافة ليست في كثرة ما نراه، بل في عمق ما نفهمه، وليست في سرعة الوصول إلى المعلومة، بل في قدرتنا على تحليلها وتوظيفها.
إن التحدي الحقيقي الذي تفرضه الثورة الرقمية ليس في قدرتها على إزاحة الكتاب من مكانه، وإنما في قدرتنا على تحقيق التوازن بين سرعة العصر وعمق المعرفة، وبين متعة التقنية ومتعة القراءة.
فلنمنح الكتاب بعضاً من وقتنا الذي سرقته الشاشات، ولنعد إلى صحبته، ورقياً كان أم إلكترونياً؛ فما زال خير جليس لمن يبحث عن عقل ينضج، وفكر يتسع، وروح تجد في المعرفة متعة لا تمنحها ضوضاء العالم الرقمي.
وإذا كان المتنبي قد رأى في الكتاب خير جليس في زمانه، فربما حان الوقت لنعيد اكتشاف حكمته في زماننا، ونثبت أن تغير الوسائل لا يعني موت الغايات، وأن الكتاب مهما تبدلت الأزمنة سيظل رفيق العقول التي لا تكتفي بسطح الأشياء.
و خلاصة القول:
فالكتاب لم يفقد قيمته، وإنما فقد بعض القراء شغفهم به؛ وما زالت الصفحات تنتظر من يفتحها، والعقول تنتظر من يغذيها.
#المتابعون #مجتمع #لآلئ_اليوم
8