حين يسكن الوطن قلوب الأطفال
الوطن حكاية لا تعني حدودا جغرافية ترسمها الخرائط، أو تواريخ نستحضرها كلما حلت مناسبة وطنية؛ إنها ذاكرة جماعية تتوارثها الأجيال، وقيم تكبر فينا كلما أدركنا أن المواطنة إحساس صادق بالمسؤولية، ووفاء للأرض، وإيمان بما يجمعنا تحت سماء وطن واحد، و هواء نشترك في تنفسه.
في أجواء الاحتفال بذكرى المسيرة الخضراء المظفرة، كان للمشهد معنى يتجاوز مظاهر الاحتفاء. لقد كانت الفرحة مرسومة على وجوه الأطفال والتلاميذ، وكانت أصواتهم وهي تؤدي المقاطع الغنائية المستحضرة للأمجاد التاريخية للمملكة المغربية، أشبه بنبضٍ جماعي يعلن أن الذاكرة الوطنية لا تشيخ، وأن حب الوطن لا يلقن بالكلمات وحدها، وإنما يغرس بالمواقف، ويكبر بالممارسة، ويتجدد في وجدان الناشئة.
تأملت تلك الوجوه المشرقة، وتلك الحناجر الصغيرة وهي تردد باعتزاز أناشيد الوطن، فاستشعرت أن أجمل ما في هذه المناسبات تلك اللحظة التي يلتقي فيها الماضي بالحاضر، وتنتقل فيها مشاعل الذاكرة من جيل إلى جيل. هناك، حيث تختلط البراءة بالفخر، وتتحول الأغنية إلى رسالة، والابتسامة إلى تعبير عميق عن الانتماء.
إن المسيرة الخضراء في التاريخ المغربي، درس في قوة الإرادة الجماعية، وفي قدرة الإيمان بالوطن على تحويل الحلم إلى مسار، والعزيمة إلى فعل تاريخي. ولعل أعمق ما يمكن أن نورثه لأطفالنا ليس استحضار الأمجاد وحدها، وإنما مساعدتهم على فهم القيم التي صنعتها: التضامن، والتلاحم، والتسامح، والتضحية، والاعتزاز بالهوية الوطنية.
فالوطن لا يحتاج منا أن نغني له في المناسبات فحسب، ولكن أن نكون جديرين بالانتماء إليه في تفاصيل حياتنا؛ في إخلاصنا للعمل، وفي احترامنا للآخر، وفي صوننا لكرامة الإنسان، وفي حرصنا على بناء مستقبل يليق بالأجيال القادمة.
وهكذا، غادرت تلك الأجواء وفي داخلي يقين بأن الوطن حين يسكن قلوب الأطفال، فإنه يجد طريقه إلى المستقبل. وأن أجمل نشيد وطني ليس ما تردده الحناجر فقط، بل ما تترجمه السلوكات حين يكبر هؤلاء الصغار، ويصبحون مواطنين يدركون أن حب المغرب مسؤولية قبل أن يكون عاطفة، وعطاء قبل أن يكون افتخارا.
دام الوطن شامخا بأبنائه، محفوظا بقيمه، ممتدا في ذاكرة أجياله، ودامت المسيرة فينا إيمانا بالوطن، ووفاء لتاريخه، وأملا في غده.
@المتابعون
#مجتمع

57