خيوط خفية
أنا هُنا... داخل الصندوق الخشبي الضيق حيثُ تُخنق الأنفاس وتتراكم أتربة السنين، أنتظر تلك اللمسة الباردة التي أيقظتني مِنْ نومي الأبدي علىٰ حافة الهاوية، حيثُ لا وجود للضوء إلا إنعكاساً شاحباً علىٰ شعر القوس المشدود حتىٰ التمزق وكأن شرايين معصمي هي التي تُشد وليستْ أوتار الحصان الميتة التي تحك روحي بعنفوان لا يرحم، نوتة تلو الأخرىٰ ، صريرٌ حاد يشبه صراخ طفل وُلد ميتاً ثم عاد ليُحاسب أمه علىٰ جحيم الحياة، يتدفق مِنْ صندوق العتمة ليصطدم بجمجمتي الصدئة كأنها جرس كنيسة هجرتها الشياطين، أنا الأرجوحة المُعلقة في فراغ لا مُتناهٍ، لا أرض تحتَ قدمي تقيني السقوط ولا سماء فوق رأسي تحميني مِنْ صقيع العدم، وكلما عزفتِ تلك النوتة اللعينة مِنْ كمانكِ الذي يتحول بينَ يديكِ إلىٰ منجلٍ يُصفي حسابات العالم السفلي مع جثث الأحياء، تحركت مفاصل خشبي المكسور برعشة لا إرادية، تُشد خيوطي الخفية المصنوعة مِنْ لعاب العناكب ودموع المنسيين، فأرتفع إلىٰ الهواء رغماً عَنْ إرادتي الميتة، أرقص ببلادة مروعة بينما عظامي تُطقطق علىٰ إيقاع مقطوعة شيطانية لا ينتهي عزفها، الدوائر تدور بي وبكِ، وجهي المصبوغ بالأصباغ المُلطخة بدماء الذاكرة المنسية يبتسم بغباء سرمدي مُقزز بينما عينايَّ الجاحظتان مِنْ زجاج مكسور ترتعدان خوفاً مِنْ النوتة التالية التي ستفصل رأسي عَنْ جسدي تماماً، هل تسمعين صدىٰ الصرير؟
إنه صوت إحتكاك روحي بأسنان الزمن القذرة، كلما مررْتِ بالقوس علىٰ الوتر الرابع أهتزت أحشائي وتلوّت أمعائي علىٰ شكل مفتاح صول ملعون، نحنُ لسنا سوىٰ نُزلاء في مصحة عقلية أقامها الجنون في قاع بئر جافة، حيثُ يتشابك جنون عازفة تظن أنها تعزف سمفونية الخلاص مع خضوع أرجوزة مُفككة أدركت أخيراً أن الخيوط التي تحركها ليستْ سوىٰ أعصابكِ المُمزقة وأصابعكِ المُرتجفة التي تعزف لحن موتي البطيء علىٰ حافة جنون مُشترك لا مخرج منه، إستمري في العزف، شدي الخيوط أكثر حتىٰ يتمزق الوتر الأخير وينهار الستار ، لعلنا نلتقي هُناك في عتمة اللاشيء حيثُ لا نوتات تطعنُنا ولا خيوط تربطنا بسخرية الأقدار.
#إيالاڤيا
#مجتمع
#لاڤينيا_عيسىٰ
6