دُمية
أنا خيطٌ مشدودٌ حتىٰ التمزق بينَ أصابعَ غليظةٍ لا أراها لكني ألمس ثقلَها في كل رمشة وتنهيدة، غرفةٌ بلا جدران لكن حدودها تضيق كلما تنفستُ حتىٰ تطبق علىٰ رئتيَّ كأنها كفنٌ منسوجٌ مِنْ غبار الذاكرة ورائحة الصدأ، العتمة هُنا ليسَت مُجردَّ غيابٍ للضوء بل هي مادةٌ كثيفة ولزجة تدخل مِنْ عيني وتستقر خلف مُقلتي كأنها طينٌ أسود أفرغه أحدهم هُناك ليعبث برؤيتي للأشياء، الحائط أمامي ليسَ سوىٰ وجهٍ باهتٍ ينظر إليّ، أو ربما هو مرآةٌ لكنها تعكس شخصاً آخر، إمرأةً أخرى تُشبهني تماماً لكنها تبتسم بسخرية بينما أنا أبتلع ريقي بصعوبة بالغة لأن الحنجرة مقبوضةٌ بتلك العقدة الخفية التي تنتهي في مكانٍ ما فوق السقف، هُناك، حيثُ تتجمع خيوطي كلها في قبضةٍ واحدة لا تعرف التعب، أنا لستُ سوىٰ صمتٍ يرتدي فستاناً قديماً رطباً برائحة العفن والخشب القديم، كلما حاولتُ أن أخطو خطوةً واحدة نحو الأمام لتفريغ هذا الثقل الجاثم علىٰ صدري، تنشدُ الخيوط بقوة مفاجئة تجذبني إلىٰ الخلف كأن الأرض ترفضني والسقف يطردني فأبقى معلقةً في منتصف اللاعدم، أتحرك عندما يريدون لي أن أتحرك وأصمت عندما يعتقدون أن الصوت قد يوقظ شيئاً نائماً في قاع الروح، رأسُه الثقيل يميل إلىٰ الجانب الأيمن تلقائياً كلما فكرتُ في الهروب، كأن الرقبة مصممةٌ هندسياً علىٰ الإنكسار في إتجاهٍ واحد فقط، لا توجد فواصل هُنا، لا نقطة توقف تمنحني فرصة التقيؤ أو إلتقاط الأنفاس، الزمن مُجردَّ دائرة مغلقة تدور حول نفسها كحيةٍ تعض ذيلها، الليل والنهار تداخلا حتىٰ غدوا شيئاً واحداً رمادياً وقذراً، أتذكر أنني كنتُ بشراً في يومٍ ما، أو هكذا يوحي لي هذا الوخز الوهمي في أطراف أصابعي التي ترفض الإستجابة، كانت لي لغةٌ وربما أسمٌ لكن الحروف تساقطت مِنْ فمي تدريجياً كحبات رملٍ ميتة وأنا أسير في هذا الممر الطويل الذي لا ينتهي، الأصوات التي تسمعها جدران العقل ليستْ سوىٰ صدىً لأصواتٍ قديمة جرحت أذني قبل عقود، يضحكون في الخلفية، ذلك الضحك المكتوم والجاف الذي يشبهُ حكّ الحجارة ببعضها، يقولون لي بهمسٍ خفيّ إنني أؤدي الدور ببراعة فائقة اليوم، وإن الدمية يجب ألا تبكي لأن الدموع تذيب الخشب وتفسد الألوان، لكنني لستُ خشباً، أنا لحمٌ مُحترق من الداخل، رمادٌ يتطاير كلما حركوا يدهم في الهواء، ورغم ذلك لا أستطيع الصراخ، فالحنجرة مُمتلئةٌ بخيوط العنكبوت والكلمات تتبخر قبل أن تصل إلىٰ الشفاه البائسة، أراقب ظلي علىٰ الأرض وهو ينفصل عني أحياناً ليمشي في الإتجاه المُعاكس، يبتعد ثم يعود ليرتبط بقدمي كأنه قيدٌ إضافي، كم مرّ من الوقت وأنا معلقةٌ هكذا؟ ألف عام؟ أم أن العالم أنتهىٰ قبل أن أبدأ، وأنا هُنا مُجردَّ شبحٍ يُكرر الحركات ذاتها بلا هدف سوىٰ إرضاء العتمة التي تحيط بي من كل حدب وصون، لا توجد هنا عناوين ترشدني إلىٰ أين أمضي ولا فواصل تُريحني من هذا السرد الطويل المكتوب بدموعٍ متجمدة، أنا الرواية وأنا الكاتبة وأنا الورقة المُمزقة التي تقرأ نفسها بصوتٍ مخنوق بينما تواصل الأصابع الخفية سحب الخيوط نحو الأعلى بلا رحمة وبلا نهاية.
#إيالاڤيا
#مجتمع
#لاڤينيا_عيسىٰ
13