بيوتٌ قابلة للطيّ: كيف نحزمُ أوطانَنا في حقيبة؟
ليست حقيبة السفر مجرد متّسعٍ لما سنحتاجه في مدينةٍ أخرى؛ إنها محاولة مكثّفة لنقل شظايا من حياتنا الأولى نحو أفقٍ لم تتضح ملامحه بعد. حين نفتح الخزانة، تتجاوز خياراتنا المنطق البحت؛ فلا نكتفي بما يقيم أود اليوم من ملابس وأوراق، بل تتوقف أيدينا عند أشياء تتملّص من حسابات السفر: وسادة صغيرة تآكل حشوها، زجاجة عطر شارف سائلها على النفاد، كتاب نعلم أننا لن نفتح صفحاته، أو غرض هامد لا معنى له في عين غريب. نحرص على حشدها في القاع، كأننا نخشى أن نطأ أرضًا جديدة عراةً من أي أثرٍ يدلّنا على أنفسنا.
لا ينبع اقتناء هذه التفاصيل من حاجةٍ عملية؛ فالوسادة يُستعاض عنها، والعطر تفيض به المتاجر، والكتاب قد يظل غارقًا في عتمة الحقيبة. نحملها لأننا نحمل الألفة التي تسكنها. لكل قطعةٍ منها ذاكرة خفية: رائحة زاويةٍ قديمة، هيئة صباحٍ اعتدناه، أو طمأنينة ساطعة لم نكن نلتفت إليها حين كانت تحيط بنا. حين نودعها بين أمتعتنا، فنحن لا نغلف أجسابًا صلبة، بل نقتطع إيقاعًا من حياتنا، نمنح به أنفسنا سندًا مألوفًا حين تباغتنا وجوه الشوارع وأصواتها بالغرابة؛ كأننا نقتطع من البيت زاويةً صغيرة، قابلة للطيّ والحمل.
تتجسد لحظة الحقيقة عند بوابة الوصول؛ هناك حيث تغدو المسافة أطول من الكيلومترات المقطوعة. نخرج إلى الشارع الغريب يلفنا هواءٌ غريب الرائحة، نجرّ حقائبنا وسط صخبٍ لا يعرِفُنا، ونرقب المدينة من خلف زجاج السيارة. في هذه اللحظة الخاطفة، يبدو كل شيء حاضرًا بوضوح أمام الأعين، لكننا لا نزال خارج المشهد: الطرق لا تحفظ إيقاع خطانا، واللافتات تشير إلى جهاتٍ لا تنتمي لذكرياتنا. نجد أنفسنا معلقين في منطقةٍ بينية هشة؛ ماضٍ انسلخنا عنه، ومستقبل لم نتعلم بعد كيف نسكنه.
لكن الرحيل الحقيقي لا يولد في المطار؛ إنه ينسرب قبل ذلك بكثير داخل جدران البيت. يبدأ حين نغلق الأدراج ونترك الرفوف على حالها، ونتفقد الأركان بصمتٍ يترصد المرة الأخيرة. هناك تفاصيل لا تنكشف قيمتها إلا في لحظة الفقد: الموضع الدقيق لفنجان القهوة، زاوية الضوء التي تهبط كل صباح على طرف السرير، صرير بابٍ ألفناه، ونافذة اعتدنا إطالة النظر منها دون أن ننتبه إلى أننا حفرنا مشهدها في الذاكرة. ثم يأتي صوتُ سحّاب الحقيبة يعلن النهاية؛ نرفعها عن الأرض، ونترك خلفنا كل ما عجزت أيدينا عن حمله.
يبدو البيت في تلك اللحظات غارقًا في سكينةٍ قاسية؛ الأدراج مقفلة، والأرفف خالية من حركتنا، بينما تقف الأشياء الثابتة في أماكنها جاهلةً بالغياب الذي يترقبها. ومع ذلك، ينشأ في أعماقنا شعورٌ كأننا نعتذر لها. لقد صاغت هذه الأدوات العادية نظام وجودنا، وكانت شاهدًا صامتًا على أيامٍ نسجت معنى الاستقرار دون أن ندري. ولهذا، لا يقتصر الوداع على الوجوه أو الأماكن الكبرى، بل يتسرب إلى كرسيٍّ اعتدنا الجلوس عليه، أو رفٍّ جمع بعثرتنا، أو ركنٍ مهمل لم ندرك فرادته إلا حين صار بعيدًا.
وحين تُحطّ الحقيبة أخيرًا في الغرفة الجديدة، نكتشف أن ما نقلناه لم يكن كافيًا لاستعادة البيت كاملاً، لكنه كان كافيًا لكسر حدة الغربة. نوزع مقتنياتنا على أرففٍ لا نعرفها، نضع زجاجة العطر عند السرير، ونفرد الوسادة على فراشٍ غريب. شيئًا فشيئًا، تشرع هذه الأشياء المألوفة في جسر الفجوة بيننا وبين المكان الجديد؛ لا تمحو غربته، لكنها تمنحه فرصة ليصير أقل قسوة. وهنا تتبدى العلاقة الحقيقية بالمدينة: لا حين نحفظ مخططات شوارعها، بل حين نسمح لها بأن تتسرب إلى تفاصيلنا اليومية، ونترك فيها أثرًا يشبهنا.
في النهاية، لن تتسع حقائب السفر لبيوتنا كاملة، ولن تختزل وطناً بكل حمولته. لكنها تفعل ما هو أهم: تمنحنا شذراتٍ صلبةرائحة، ملمسًا، صورة، أو كتابًا منها نسجنا خريطةً مصغّرة للانتماء لا تحدها جغرافيا ولا أسماء مدن. فالبيت ليس حصنًا ثابتًا نتركه ونعود إليه، بل هو كينونة نحملها في تفاصيلنا، ونفردها بجوارنا أينما اضطررنا للبدء من جديد.
#شمس #مجتمع #مجتمع_عام #لآلئ_اليوم
@المتابعون

42