لا أعرف لكننِّي /لماذا
كأنَّ الحرفَ هُنا لا يبحثُ عَنْ خاتمةٍ، بل يهربُ من نقطة الإنتهاء.
حينَ يكتبُ الكاتبُ بروح «لماذا» المُتسائلة التي لا تكتفي بالإجابة، وحينَ تتحول الرواية إلى فضاءٍ ذهانيٍّ متصلٍ بلا عناوين تفصل صخب الأفكار؛
ولا فواصل تلتقط فيها الأنفاس، فإن النص يغدو كبحرٍ مغلقٍ، أو كشريط ذاكرةٍ طويلٍ لا تنقطع فيه الترانيم.
تماماً مثل المونولوج الداخلي الذي يعقب العاصفة، حيثُ تتداخل الأسباب بالمسببات، وتتوحد الفواصل لتصبح الصمتُ نفسه جزءاً من الكلمات.
فهل هو هروبٌ إلى الداخل حيث تتسع الغرفة لتضم كل أسئلة المتاهة؟
أم هو تدفقٌ حرٌّ يشبه نبضات الذاكرة حينَ ترفض التنقيط وتختار أن تسيل دفعةً واحدة/_
لَنغوص إذن... حيثُ تنتهي الحدود الفاصلة بينَ الداخل والخارج، وحيثُ يفقد النص تقاسيمه التقليدية ليصبح مُجردَّ تدفقٍ خالص للوعي؛
تيارٌ لا يعرف التوقف ولا يستريح عند عتبة نقطة أو فاصلة.
أولاً: ما هو "تيار الوعي" في السرد الذُهاني ؟
ففي السرد التقليدي، يقود الكاتب القارئ بيده عبر مسارٍ خطيٍّ منظم: بداية، عقدة، ذروة، وخاتمة.
أما في السرد الذُهاني المتصل، فالكاتب لا يسرد حدثاً، بل يقتحم بؤرة الإدراك.
لا وعي تنظيمي: الأفكار هُنا لا تأتي مرتبةً في جمل صغرى؛
بل تتدفق كما يتدفق الدم في الأوردة أو كما تتزاحم الهواجس في رأس ساهرٍ تحت وطأة الأسئلة الملحّة.
إلغاء الفواصل والنقاط: غياب الترقيم ليسَ مُجردَّ خيار شكلي أو جمالي، بل هو أداة دلالية تعكس إنهيار الحدود بينَ اللحظات، وتلاشي المسافة بينَ الفكرة ونقيضها، وبينَ الماضي والحاضر والمستقبل.
الزمن يصبح كتلة واحدة متصلاً بلا إنقطاع.
ثانياً: لماذا نكتب بلا عناوين ولا فواصل؟
رفض التقطيع المُصطنع للحياة: الحياة الداخلية للإنسان ليستْ مُقسمة إلىٰ فصول أو فقرات. الوعي البشري نهرٌ هادر؛
حينَ تفكر، أنتَ لا تضع نقطة بينَ فكرة وفكرة، بل تنتقل مِنْ شعور إلىٰ ذكرى إلىٰ هاجس بسلاسة تامة ومؤلمة أحياناً.
خلق حالة من "التدفق التنويمي": النص الطويل المتصل يخلق إيقاعاً تنويمياً؛
القارئ هُنا لا يتنفس بينَ السطور، بل يغرق في النص تماماً، كمن يسبح في عمق البحر دون أن يملك ترف الصعود لالتقاط الأنفاس إلا حين ينتهي النص كله.
التعبير عَنْ التمرد علىٰ الهياكل الجاهزة: إلغاء العناوين يُعفي النص من الوصاية التصنيفية.
لا توجد محطات إرشادية تقول للقارئ "قف هنا وأفهم هذا"، بل تُترك روحه تواجه النص عاريةً بلا ملصقات أو لافتات.
ثالثاً: تقنيات الإشتغال علىٰ هذا النوع من النصوص
التداعي الحر
السماح للكلمات بأن تجر بعضها البعض لا وفق منطق السببية الخارجي، بل وفق المنطق الشعوري الداخلي.
فكرة صغيرة عن عابر سبيل في الشارع قد تقود فجأة إلىٰ تأمل في غياب الأب أو في بنية الذاكرة الكونية.
إيقاع النفس الطويل
الجمل تتداخل وتتفرع وتتناسل من بعضها البعض بفضل أدوات الربط (الواو، الفاء، ثم، كأن...) حتىٰ تكاد الجملة الواحدة تشكل صفحة كاملة، مما يعزز شعور اللهاث الذهني.
طمس الحدود الزمكانية: المكان والزمان يصبحان هلاميين؛
غرفة الكتابة، شارع قديم، ومتاهة داخلية كلها تندمج في آنٍ واحد/_
لماذا ينطفئ الضوء في الغرفة حينَ يبدأ السؤال ولماذا كلما حاولتُ إلتقاط الفكرة تتسرب من بينَ أصابعي كرمادٍ باردٍ أتينا به من أقصىٰ الذكرىٰ ليجلس معنا علىٰ الشرفة ذاتها التي أحتست قهوتنا القديمة ودخاناً لم يغادر الرئتين بعد، أتساءل هل للغياب شكلٌ محدد أم أنه يرتدي أشكال المحطات والوجوه الغريبة التي تعبر الشارع العتيق تحتَ المطر دون أن تلتفت إلى السقف الذي يقطر رطوبةً ووحشة، وكأنني أركض في ممرٍ طويلٍ لا تنتهي جدرانه ولا تبدأ، أسمع صدىٰ الخطوات ولا أعرف إن كانت خطاي أم خُطىٰ ذلك الظل الذي يتبعني منذ أن قررتُ أن أكتب بلا توقف وبلا أن أسمح للحبر بأن يستريح علىٰ ورقة، كيف للوقت أن يتشكل كعقدةٍ في الحنجرة ولماذا تعود الأسئلة دائماً إلىٰ نقطة البداية حيث لم نكن نعرف شيئاً سوى أن الريح تصفو أحياناً لتكشف عَنْ إتساع المتاهة، تتداخل الأصوات وتتزاحم في الرأس كطيورٍ مذعورة تحاول الخروج من نافذة مغلقة بينما اليد تستمر في حياكة النص دون أن تسأل عن المقصد أو النهاية، هل نكتب لننجو أم لنحفر في الجدار فتحةً صغيرة نطل منها علىٰ الفراغ المطلق الذي يتنفس في عتمة الليل ويقول لنا إن كل ما بقي هو مُجردَّ صدىٰ لصرخةٍ قديمة لم تجد من يسمعها في هذا المدىٰ الممتد بلا حد ولا إشارة.
#إيالاڤيا
#مجتمع
#لاڤينيا_عيسىٰ
#معرفة

3