منفى الحنين
حين يبلغ الشوق حدّ الاختناق
ويقايض المرء نبضات قلبه بكرامته
لا يعود أمامه سوى جدار الصمت العالي.
ليس أقسى على الروح
من أن تحرس باب من تحب
وهي تعلم أن طيفها هناك
يُعدّ "إزعاجاً"
وأن حضورها يثير الضيق
في عينٍ كانت يوماً دياراً ومستقرا
أقف على حافة البعد
معلقاً بين لظى الحنين
ومرارة الانكسار
أجرّع نفسي سُم الابتعاد طوعاً
كي لا أكون ثقيلًا
على قلبٍ أعطيتُه كل خفّة روحي.
أكابدُ لوعة الشوق وحدي
وأقف على باب الحنين مغلول اليدين
أهَزمني الحذر أم هدتني الكرامة؟
لا أدري...
كل ما أدركه
أن المسافة بيني وبينك
باتت تحرسها جدران صلبة
من الحظر والرفض.
أشتدّ في وجه الريح
ويظنوني كالجبال الذي لا يلين
وما دروا أن العاصفة تضرب في العمق
وأن الصمت الذي أفرضه على نفسي
هو أقسى معركة خاضها قلبي.
أمنع نفسي عنكِ بصعوبة بالغة
وكأنني أقتطع جزءاً من روحي
في كل مرة أكف فيها يدي
عن تفقد أثرك
أو أمنع عيني عن ملاحقة ظلك
في عناوين الحضور والغياب.
أتألم لأنك تتضايقين من وجودي
وأؤثر وجعي الخفي على إزعاجك
فأنا لا أطيق أن أكون ثقيلًا
على من كانت هي
خفة الروح وراحة البال.
يمرّ الليل بطيئاً ثقيلاً
تتقاذفني فيه الظنون
وتأخذني الذاكرة
إلى تفاصيل صغيرة
كنت أظنها لا تُمحى
أصوات ووعود وملامح
كانت تضيء عتمة أيامي.
أصارع رغبة عارمة
في كتابة حرف واحد
يكسر هذا الجمود.
ثم أرتدع بوهج الخوف من
أن أزيد الطين بلة
وأن أتحول في عينيك
إلى ظل مزعج تتمنين لو يزول.
فأختار الغياب المؤلم
على حضور يثير حنقك
محتمياً بكبرياء واهٍ لا يسندني
وبصبرٍ يكاد ينفد على أطراف أصابعه.
أنا هنا...
معلق بين رجاء بعيد ويقين متآكل
أردد اسمك سراً
وأسقي حنيني بدموع الوجع الخفي.
فكيف لقلبٍ أن يحمل
كل هذه السعة لمن أقصَته؟
وكيف لروحٍ
أن تستمر في الحياة
وهي تعيش على
فتات الذكريات
وأمل اللقاء المستحيل؟
لكنّ المرارة كل المرارة
تكمن في ذلك السؤال
المعلق في الهواء بلا جواب:
إلى متى سأتحمل هذا البعد؟
وهل ستجمعنا الأيام مرة أخرى
أم أن هذا الصمت
هو النهاية الموجعة لقصة
لم تنتهِ فصولها حقاً في صدري؟
إلى متى سيظل هذا القلب
يحمل ثقل العالم كله وحده
وهل ستقلب الأقدار صفحات
البعد يوماً لنلتقي
أم أن بعض الحكايات
تُكتب فصولها الأخيرة
في صمت الراحلين؟
-جبل
@المتابعون