عندما يحرق الإنسان كل أوراقه… ماذا يتبقى له؟
هناك ظاهرة تستحق التأمل في سلوك بعض الأشخاص، خصوصاً عندما يدخلون في خلاف مع منصة أو مجتمع كانوا جزءاً منه.
يمكن أن نطلق عليها مجازاً الاحتراق الداخلي؛ وهي الحالة التي يتحول فيها الاستياء من موقف أو قرار أو تجربة إلى حالة من التصعيد المستمر، يفقد فيها الإنسان تدريجياً قدرته على الفصل بين الاختلاف مع الإدارة والعداء للمؤسسة نفسها.
من الناحية النفسية والفلسفية، ليس كل غضب يستدعي إعلان الحرب، وليس كل خلاف يستوجب إنهاء العلاقة، وليس كل تجربة غير مرضية تستحق أن تكون آخر فصل في الحكاية.
لكن البعض، في لحظة انفعال، يختار أن يخرج بأقصى درجات التصعيد. يهاجم، ويتهم، ويكشف كل ما لديه من أوراق، وكأنه يريد أن يضمن ألا يبقى أي احتمال للعودة.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية: حرق الجسور.
من الناحية الإدارية، لا يمكن إدارة المنصات والمجتمعات وفق ردود الأفعال الشخصية. هناك سياسات، وإجراءات، وصلاحيات، وقنوات رسمية للاعتراض والتظلم.
ومن حق أي عضو أن ينتقد، وأن يعترض، وأن يختلف، بل وأن يغادر أيضاً.
لكن هناك فرق كبير بين ممارسة حق الاختلاف وبين تحويل الخلاف إلى حملة عدائية تستهدف تقويض المنصة والإضرار بمسيرة مجتمع بأكمله.
ومن الناحية الفلسفية، هناك سؤال مهم:
هل ينتصر الإنسان فعلاً عندما يخرج من مكان ما بعد أن يحرق كل الجسور خلفه؟ أم أنه يمنح لحظة غضبه سلطة تدمير خيارات مستقبله؟
النضج ليس أن لا نغضب، ولا أن نقبل كل قرار، ولا أن نتنازل عن حقوقنا. النضج الحقيقي أن نعرف كيف نختلف دون أن نفقد اتزاننا، وكيف نغادر دون أن نحول المغادرة إلى معركة، وكيف نحافظ على مساحة للعودة حتى عندما نكون مقتنعين بأننا لن نعود.
ومن موقعي مؤسساً لمنصة مجتمع، أؤمن أن باب النقد والاختلاف سيبقى مفتوحاً، لكن ذلك لا يعني أن مجتمع بلا قواعد، أو أن إدارته يمكن أن تكون تحت ضغط التصعيد الشخصي.
مجتمع أكبر من أي فرد، والمنصة أكبر من أي خلاف، والوقت كفيل بأن يكشف الفرق بين من كان يبحث عن حل، ومن كان يبحث عن معركة.
وفي النهاية:
ليس كل باب نغلقه نستطيع فتحه مجدداً، وليس كل جسر نحرقه سنجد بديلاً عنه، وأحياناً تكون أكبر خسارة للإنسان أنه لم يترك لنفسه طريقاً للعودة.
@المتابعون #مجتمع
1116





