دكتوري اللوذعي محمد العميريني يكتب..
لـ هات بوست:
أعود بذاكرتي أحياناً إلى مراحل طفولتي الأولى، لست هادفاً إلى استعادة أحداثها أو استلهامها بقدر ما أحاول أن أفهم بعض مشاعرها التي ما زالت ترافقني حتى اليوم، أُسائل نفسي هل نحن نتأثر بما نعيشه الآن، أو أن شيئاً من طفولتنا يظل حاضراً في أعماقنا مهما تقدم بنا العمر؟، ليس أصعب من تلك المواقف التي تعصف، ويحتار العقل في تأويل كنهها، أو تحديد مسارها، أو استقراء معطياتها، خاصة في مراحل النشأة الأولى.
بالنسبة لي لا أستطيع القول إن طفولتي كانت مسؤولة عن كل ما أشعر به اليوم، لكنني أؤمن أن بعض المواقف -مهما بدت صغيرة- تترك في النفس أثراً لا تمحوه السنوات، ربما ننسى ما حدث-ولو مؤقتاً- لكننا لا يمكن أن ننسى دائماً ما شعرنا به حينها، لا سيما حين نفتقد ويرحل عنا من نُحب، أو نُجبر على الارتماء في أحضان الخوف حين يقل النصير، أو نتخيل المصير.
وأؤمن كذلك بأنه ليس كل ما نحمله في قلوبنا الغضّة من خوفٍ وليد أيامنا الحاضرة، فبعض المشاعر أقدم من أعمارنا التي نظن أننا بلغنا بها النضج، وبعض الحزن الذي نشعر به قد لا ينتمي إلى اللحظة التي نعيشها، بل أظنه يعود إلى زمن بعيد ترك في أرواحنا أثراً لم تستطع السنون أن تطمسه، أو تُخفيه، أو -على الأقل- تنتزعه من مخيلتنا..إنه أشبه بالإرث الذي ينتقل دون اختيار أو رغبة.
نحن في الحقيقة لا نكبر دفعة واحدة، ولا يجوز أن نغادر طفولتنا كمغادرة البيوت القديمة، ثمة أشياء تظل تسكن أعماقنا دون أن نشعر ولا سبيل إلى نسيانها أو نسيان من أحدثها فينا، كلمة قاسية، أو حنان افتقدناه، أو خوف لم نجد من يطمئننا منه، أو لعبة في يد طفل آخر أُعجبنا بها، ولم نستطع أن نظفر بمثلها، أو موقف صغير في أعين الآخرين، لكنه كان عظيماً في وجدان طفل لم يكن يعرف كيف يفسر ما يحدث حوله، حتى الكلمات التي وُجهت لنا، ولم نكن نعي معناها كنا نستشعر دلالتها من نبرة قائلها، أو تعبيراته، لذا كنا نحذر دون سبب، أو نفرح دون تبرير.
ومع مرور العمر، أدركت أن الحياة نفسها يمكن أن تضيف إلينا الكثير، منها ما يقوّينا، ومنها ما يترك فينا شيئًا من الحذر والخوف، ومنها ما يُعيد ذكرى قديمة، أو موقف عصيب، وربما كانت بعض مشاعرنا التي نخفيها اليوم امتداداً لأشياء قديمة لم نكن نفهمها في وقتها.
ربما تلك النظرة، وتلك التراكمات وتداعي الذكريات، والإحساس بها بعد إدراك معانيها جعلني أنظر إلى الناس بشيء من التأمل والتسامح، أيقنت أنه ليس كل صامت خالياً من الهموم، ولا كل حساس ضعيفاً، ولا كل من يخشى الفقد يبالغ في مشاعره، لكل إنسان حكاية ربما لا نعرفها، وطفولة لا نعلم تفاصيلها، وتجارب صنعت شيئاً من شخصيته، فالحساب على المواقف ليس حلاً، وتتبع الأخطاء ليس حكمة، والتشهير والانتقاد ليس خلقاً ولا إصلاحاً..فقط دعها تمرُّ أو (تمشي)، وتأكد بأن الاهتمام الصادق يعيد إلى الإنسان ثقته بالحياة.
وبعد أن نضجنا ومضينا في الحياة نكافح أو (نصارع) متجاوزين مشاعرنا، ومتناسين طفولتنا المنقوشة في دواخلنا كنقوش عاد وثمود، ظننا أننا تجاوزنا تفاصيل أو ذكريات كثيرة مررنا بها، تفاجئنا مواقف عابرة تعيد إلينا مشاعر خلناها انتهت، يؤلمنا التجاهل، ويقلقنا الغياب أكثر مما ينبغي، ونتفانى في خدمة الآخرين وتقديرهم، ونبالغ في التمسك بمن نحب، لأننا تعلمنا أو أُجبرنا على الاعتقاد بأن الأشياء الجميلة لا تدوم، أو لأننا لا نريد أن تتكرر نماذج الفقد والخوف التي مررنا بها في طفولتنا.
ومع هذا كله فليس من الإنصاف -في نظري- أن نحمّل الطفولة مسؤولية كل ما نعانيه إلى اليوم، فالحياة نفسها لا تخلو من قسوة، والناس تتبدل أحوالهم وتتغير أو (تنتكس) مواقفهم دون مسوّغ، والوعود ربما تخيب، والثقة قد تتزعزع، أضف إلى هذا أن سنوات النضج قد تصنع من مخاوفنا ما لم تصنعه سنوات الطفولة نفسها، لأن الإدراك في النضج معقلُ التأمل والتردد.
وأخيراً… أدركت أن كثيراً منا لم يزل يعيش وفي أعماقه قلب ينبض بحكايات الطفولة، ويحمل أمنياتها التي لم تتحقق، ومشاعرها التي لم تمحها السنين، صحيح أننا كبرنا، وتغيرت ملامح كثير منا، وزادت تجاربنا، لكن روح ذلك الطفل وعهد الطفولة لم يفارقنا.. إنها بصمة (وراثية) لا تتعدد ولا تصلح أن تكون أنموذجاً قابلاً للتطوير، لأنها مرحلة تاريخية (معقدة) ومن سمات التاريخ أن حوادثه لا تتكرر، لكن الجميل في الأمر أننا ما زلنا نفرح بأبسط الأشياء، ونتألم من كلمة عابرة، ونبحث عن الحنان الذي لم ننل منه ما يكفي.
بقلم دكتوري اللوذعي المفضال:
محمد بن عبد العزيز العميريني حفظه الله ورعاه وأبقاه
3