سولا بنت دراكولا 🧛🏻♂️
سولا بنت دراكولا
خلق الله الإنسان جسدًا وعقلًا وقلبًا وروحًا، ولم يخلق له طريقًا واحدًا لا يستطيع أن يحيد عنه.
قد نولد في مكان لم نختره، وبين أناس لم نخترهم، ومن أبٍ وأمٍ لم نخترهما، وقد نحمل أسماءً وأنسابًا وصفاتٍ تسبقنا قبل أن نعرف أنفسنا.
لكننا، رغم كل ذلك، نملك شيئًا لا يستطيع أحد أن ينتزعه منا:
الاختيار.
فنحن لا نختار إلى من ننتمي، ولكننا نختار إلى ما نريد أن نكون.
وهذه قصة خيالية، لكنها تمس شيئًا حقيقيًا في داخل كل إنسان؛ صراع الجسد والعقل والقلب، حتى تتحرر الروح وتعرف طريقها.
كانت سولا ابنة رجلٍ اسمه دراكولا.
وكان دراكولا في الأصل بشرًا، قبل أن يتحول إلى مسخٍ حمل في داخله الشر حتى صار الناس يسمونه شيطانًا ملعونًا.
أما أمها فكانت امرأة نورانية تُدعى ليورا؛ قلبها من نور، تعشق الحياة، ولا تريد الشر، بل كانت تؤمن بإمكانية علاجه.
كانت تقول دائمًا:
«في قلب كل شيطان نور صغير، وإن عجزنا عن رؤيته، فهذا لا يعني أنه غير موجود.»
ولدت سولا بين النور والظلام.
ورثت قلب ليورا، وعقل دراكولا، وجسدًا يحمل آثار أجدادها.
كبرت وهي تشعر أن داخلها ثلاثة أصوات؛ صوت أمها، وصوت أبيها، وصوت الجسد الذي يحمل تاريخ الذين سبقوها.
كان لكل واحد منهم حق أن يقول، وكان عليها أن تستمع.
لكن مع مرور السنوات، لم يعد الأمر مجرد أصوات.
تحول إلى صراع.
كانت سولا تسأل نفسها:
من أنا؟
إلى من أنتمي؟
إلى النور؟
أم إلى الظلام؟
أم أنني جسدٌ يحمل تاريخًا لا ذنب له فيه؟
حتى صار الصراع سجنًا.
وأصبحت روحها سجينة بين قلب يريد أن يحب، وعقل يريد أن يسيطر، وجسد يحمل ماضيًا لم تختره.
كان الجميع يريدون أن تكون شيئًا.
ليورا تريدها نورًا.
دراكولا يريدها امتدادًا له.
وأجدادها يريدونها أن تحمل ما حملوه.
أما سولا، فلم تكن تعرف ماذا تريد.
حتى جاء اليوم الذي تمردت فيه.
تمردت على كل من أراد أن يحدد لها حقيقتها.
وكسرت سور القفص الذي كانت روحها حبيسةً خلفه.
هربت من أبيها.
لكنها لم تستطع أن تهرب من اسمه.
كانت تحمل ندبة يعرفها الناس بها:
ابنة دراكولا.
كلما ذهبت إلى مكان، سبقها اسم أبيها.
كان الناس يرون فيها شيطانًا صغيرًا، حتى وإن عرفوا أنها ابنة ليورا النورانية.
فالناس كثيرًا ما يبحثون عن الخطأ قبل أن يبحثوا عن النور.
هربت سولا من مكان إلى مكان، ومن بلد إلى بلد، حتى بدأت تتحول شيئًا فشيئًا إلى أبيها.
تعلمت المكر.
وتعلمت كيف تخفي حقيقتها خلف ابتسامة رقيقة.
وفي عينيها شيء غامض يجذب الناس إليها، حتى يصبحون خاضعين لسحر حضورها.
أصبحت تشبه دراكولا.
لكن شيئًا في أعماقها كان يصرخ:
«أنا مسجونة... أنا مسجونة.»
وظلت هكذا زمنًا طويلًا.
تخضع حينًا.
وتنكر حينًا.
وتخدع حينًا.
لكنها في داخلها كانت لا تزال تبحث عن بابٍ للخروج.
ثم ظهر الحب.
كان الحب أول شيء لم تستطع سولا أن تخضعه لعقلها.
شيءٌ غريب ظهر في قلبها، كأنه ماءٌ يغسل ما تراكم فيه من ظلام.
فالحب لا يشبه شيئًا آخر.
إنه يجعل الإنسان غائبًا عما كان يظنه ثابتًا في داخله.
وفي حديقةٍ مليئة بالزهور والطيور، كانت سولا تذهب وحدها.
كانت تنظر إلى الطيور وهي تحلق في السماء، ثم تسأل بصوتٍ لا يسمعه أحد:
«هل أستطيع الطيران؟»
ثم تغني بصوت حنون، صوت لم يسمعه منها أحد:
«نفسي أطير...
نفسي أعيش جوا أطير...
نفسي أسبح جوا النيل...»
وكان هناك رجل يُدعى إليان.
جلس ذات يوم قريبًا منها، فرأى شيئًا لم يره أحد.
رأى النور المختبئ خلف الظلام.
أحبها.
ولم يكن يعرف أنها ابنة دراكولا.
أما سولا، فكانت تخاف من الحب.
كانت تقول:
«الحب ضعف.
إنه يجعل المحب ضعيفًا أمام من يحب، ويسلبه السيطرة على نفسه.»
كلما رأت إليان، شعرت بشيء جديد.
فتقترب روحها منه...
وتهرب قدماها.
حتى ازداد حبها له، وازداد حبه لها.
لكن قبل أن تمنحه جوابًا، قررت أن تعود إلى بيت أبيها.
لم تكن عودتها هروبًا هذه المرة.
بل كانت مواجهة.
لقد جربت أن تكون دراكولا.
وجربت أن تكون ليورا.
وجربت أن تكون عاشقة لإليان.
والآن أرادت أن تعرف:
من تكون سولا؟
عادت إلى مخاوفها.
وقفت أمام كل شيء كانت تهرب منه، وسألت نفسها:
من أكون؟
إلى من أنتمي؟
من أنا؟
ثم همست بصوتٍ خافت:
«أنا... أنا.»
وتابعت:
**«لم أكن غيري أنا.
أنا الجسد.
أنا العقل.
أنا النور.
وأنا الظلام.
أنا الربيع.
وأنا الخريف.
أنا الحنين.
أنا المطر.
أنا السكوت.
وأنا الكلام.
أنا السكون.
وأنا السهر.
أنا كل ما مررت به، لكنني لست أسيرةً لأي شيءٍ منه.»**
ثم ابتسمت.
ضحكت.
وقالت بصوتٍ مرتفع:
«لقد تحررت!»
لم تتحرر لأنها أصبحت نورًا فقط.
ولم تتحرر لأنها تخلت عن ظلامها.
بل تحررت عندما عرفت أن النور والظلام اللذين بداخلها لا يملكانها.
هي التي تختار.
ذهبت إلى إليان.
وقفت أمامه وقالت:
«إني أحبك.»
ثم أخبرته بحقيقتها.
قالت له:
«أنا ابنة دراكولا وليورا.
لم أختر أبي.
ولم أختر أمي.
ولم أختر ما حمله جسدي من تاريخ أجدادي.
لكنني اخترت من أكون.
أنا لم أختر انتمائي...
ولكنني اخترت نفسي.»
نظر إليها إليان وقال:
**«وأنا معك كما تكونين.
إن كنتِ نورًا، فأنتِ النور الذي يضيء حياتي.
وإن كنتِ ظلامًا، فأنتِ الظلام الذي تهدأ إليه روحي.
أنتِ ظلام السكون...
لا ظلام الضلال.»**
حينها فهمت سولا الحقيقة.
لم تكن حريتها في الهروب من قدرها.
كانت حريتها في مواجهته.
لم تستطع أن تغير من أنجبتها، ولا الماضي الذي سبقها، لكنها استطاعت أن تغير علاقتها بكل ذلك.
فبالمعرفة، والعلم، والعمل، والمواجهة، يجد الإنسان نفسه.
خلقنا الله جسدًا وروحًا وعقلًا وقلبًا، ولم يخلقنا نسخًا متطابقة.
فلماذا نطلب من أنفسنا أن نكون شيئًا واحدًا فقط؟
قد يولد الإنسان في الظلام، ويختار النور.
وقد يولد في بيتٍ من النور، ثم يختار طريقًا آخر.
فالإنسان ليس فقط أصله.
وليس فقط نسبه.
وليس فقط ما ورثه.
إنما الإنسان أيضًا ما يختاره أن يكون.
ولهذا قال الله تعالى:
﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾
أي بيّنا له الطريقين.
والطريق، في النهاية، لا يختاره الاسم الذي نحمله...
بل تختاره الروح حين تعرف نفسها.
4 مشاهدة