ما ليس لفظًا يُقال، ولا خفقةً عابرةً تمرّ بالقلب ثم تنطفئ؛ إنّه سرٌّ يتسرّب إلى الروح حتى يصير جزءًا من كيانها. هو ذلك الامتلاء الخفيّ الذي يجعل العالم أوسع، والزمان ألطف، والنفس أقرب إلى معناها. به تتبدّل الأشياء دون أن تتغيّر، وتشرق التفاصيل الصغيرة كأنّها تُولد لأوّل مرّة.
الحبُّ قوةٌ لطيفة؛ لا تُرى، لكنّها تحرّك القلوب كما تحرّك الريح أمواج البحر. يهب الإنسان قدرةً على العطاء دون حساب، وعلى الصفح دون تردّد، وعلى الصبر لأنّ في الصبر حفاظًا على ما يُحبّ. وليس الحبّ ضعفًا كما يظنّ بعضهم، بل شجاعةٌ أن تكشف قلبك للنور، وأن تُؤثر دفء القرب على برودة العزلة.
غير أنّ الحبّ الحقّ لا يكون عمىً، بل بصيرة؛ يرفع ولا يُذلّ، يطهّر ولا يُفسد، يقرّب إلى الفضيلة ولا يُبعد عنها. فإن اتّصل بالصدق، صار طمأنينة، وإن اقترن بالرحمة، صار حياة، وإن سمت به النيّة، صار عبادةً في صورة شعور.
وما أجمله حين يكون اتساعًا لا امتلاكًا، ونورًا لا احتراقًا، وسكينةً لا اضطرابًا — حين يكون معنى يُنمّي القلب بدل أن يستنزفه، ويجعل الإنسان أكثر إنسانيّة، لا أكثر ضياعًا.
فإذا سُئلت عن الحبّ، فقل: هو أن تجد في وجود آخر مرآةً لنفسك، وأن ترى في العطاء بقاءك، وأن تدرك أنّ أجمل ما في الحياة ليس ما نملكه… بل ما نحمله في قلوبنا.
#ناصر_الشوقي#شاركونا