ما لم يكن في الحسبان.
لم يكن البحر تلك الليلة يشبه البحر الذي أعرفه، ولا عتمته تشبه ما ألفته من عتمات. وأنا الذي قضيت من عمري بين الموج والريح ما يكفي لأميز غضب المحيط من رضاه، لم أعهده يوما بذلك السكون المريب، حتى خُيّل إلي أنه يكتم في أعماقه سرا، ويخشى أن تفضحه حركة ماء.
كنا على بُعد ستين ميلا بحريا شمال غرب رأس سبارطيل، حيث تنحسر اليابسة عن العين، ويصبح الأفق دائرة مغلقة لا باب لها إلا السماء. هناك.. في تلك الناحية التي يحفظ البحارة طباع تياراتها، وتعرف شباكنا تضاريس أعماقها، كان مركبنا مستلقيا على صفحة المحيط، كأنه نسي أنه خُلِق ليشق الماء، وليس ليستريح عليه.
أطفأنا المحرك، لكن البحر ظل يحرك ريشة المروحة بفعل التيار، فتدور معها أسطوانة المحرك، ويصعد من جوفه صوت خفيض أعرفه جيدا، صوت لا ينتبه إليه من ركب البحر عابرا، لكنه عند البحار حديث طويل بين الحديد والماء.
كانت النجوم مبعثرة فوق رؤوسنا وتحتَ تحتِ أقدامنا، حتى كدت أشك في أن للمحيط قاعا، أو أن للسماء نهاية. كنت أرسل بصري إلى حيث تذوب الجهات في العتمة، فلا أرى إلا ذلك الخط الذي لا يدركه النظر، وإن ظل البحار طوال عمره يطارده.
نام الرجال بعدما ألقينا شباكنا العائمة قبيل الغروب، وبقيت وحدي أؤدي نوبة الحراسة. لم تكن مهمتي أن أراقب الشباك فحسب، بل أن أظل عينا مفتوحة على كل ما يمكن أن يأتي من وراء الأفق، فهذه مياه تعبرها سفن العالم إلى مضيق جبل طارق، ولا تعترف فيها البواخر العملاقة بتعب الصيادين ولا بأحلامهم الصغيرة المعلّقة بخيوط الشباك.
كنت أعرف أن للبحر وجها لا يظهر إلا لمن أطال عشرته، وجها قد يبتسم لك ساعات، ثم ينقلب عليك في غفلة عين. لذلك لم أكن أثق بسكونه ثقة مطلقة، ولا أطمئن إلى صفائه مهما أغراني جماله.ومع ذلك، وجدتني في تلك الساعة مأخوذا بجلال المشهد، أتأمل كيف يجتمع هذا الظلام كله ولا يستطيع أن يطفئ نجمة واحدة. واستحضرت قول الله تعالى: ( وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ ).
لم أكن يومها أعلم أن النور الذي أتأمله في السماء سيصبح، بعد قليل، حاجة ملحة لبشر تائهين في عتمة المحيط. ولا أن تلك الليلة التي خرجنا فيها نطلب رزقنا من البحر، ستجعلني أزن في لحظات معدودة، بين واجب النجدة وحذر البحار الذي يعرف أن بعض اللقاءات في عرض الماء قد تجر وراءها من المتاعب ما لا تحمله الشباك.
فأنا أعرف كيف يأتي الموج، وكيف تنحرف السفن، وكيف تخدع التيارات الربابنة، لكنني لم أتعلم قط كيف أقرأ ما يخبئه البحر حين يختار أن يصمت.
كان البحر يومها صامتا...
فجأة، لاح لي ظل داكن يتقدم نحونا من جهة الغرب.
حدقت فيه طويلا، محاولا أن أتَبيَّنَ ملامحه. لم يكن يحمل أضواء ملاحية ظاهرة، ولم أسمع صوت محرك يدل على اقترابه.
صعدت إلى المقصورة، وألقيت نظرة على شاشة الرادار، فإذا بجسم يتجه نحونا، ولم تعد تفصل بيننا سوى مسافة قصيرة.
تسارعت الأسئلة في رأسي:
أهي سفينة تبحر دون أضواء؟ وما الذي يدفعها إلى ذلك في هذا الممر الدولي؟
أهو قارب صيد؟ مستبعد، فنحن آخر القوارب غربا.
أيمكن أن تكون حاوية سقطت من إحدى البواخر التجارية؟
لكن الجسم كان يتحرك نحونا على نحو يبعث على الارتياب.
وبينما كنت أفتش عن تفسير، ومض ضوء صغير أمام عيني، ثم ابتلعه الظلام.
لم أتردد.
شغلت المحرك وأضأت مصابيح المركب جميعها، فإذا بالمشهد ينكشف على نحو لم يكن في الحسبان. يخت شراعي يحمل العلم السويدي، وعلى متنه رجل مسن وامرأة عجوز، وكلب.
لم تكن تفصل بيننا سوى أمتار قليلة.
رفعت المرأة صوتها بإنجليزية متعبة:
من فضلك، نحن بحاجة إلى المساعدة.
أجبتها على الفور:
سنساعدكما، لكن إياكما أن تقتربا أكثر.
لم يكن تحذيري نابعا من قسوة أو تردد في تقديم العون، وإنما من حذر يعرفه كل بحار خبر تلك المياه. فأن يرسو يخت أجنبي مجهول الظروف بمحاذاة مركب صيد مغربي، في جنح الليل، وسط منطقة ذات حساسية أمنية خاصة، أمر قد يفتح علينا أبوابا من الأسئلة والتحقيقات نحن في غنى عنها.
فالمنطقة، إلى جانب كونها ممرا دوليًدا بالغ الأهمية، عرفت أيضا باستغلال بعض شبكات التهريب لها كنقطة التقاء بين ضفتي المضيق، وبمرور شحنات مخدرات عابرة للقارات، بعضها قادم من أمريكا اللاتينية، ضمن مسارات التهريب الدولي.
وفي مثل هذه المياه، لا يكفي أن تكون نيتك سليمة، فقد تجد نفسك مطالبا بإثبات براءتك من حكاية لم تكن يوما أحد أبطالها.
كنت أتخيل أسئلة رجال الدرك البحري إن عثروا على يخت أجنبي ملتصق بمركبنا في تلك الساعة المتأخرة..
من هؤلاء؟
ومن أين جاؤوا؟
ولماذا التقوا بكم هنا؟
وماذا جرى بين المركبين؟
أسئلة قد تتناسل منها أسئلة أخرى، حتى تتحول نجدة عابرة إلى محضر طويل، ويصبح البحار الذي خرج يطلب رزقه مطالبا بتفسير ما لم يخطر له يوما على بال.
ولذلك كنت حريصا على أن تظل بين المركبين مسافة آمنة، وأن يجري كل شيء في وضح المسؤولية، وإن كنا في قلب الظلام.
كان الرجل السويدي قد أعد حبلا يريد رميه إلينا، وفي تلك اللحظة ظهر عمي عبد السلام، وقد أيقظه صوت المحرك والحركة المفاجئة.
ناديت عليه:
عمي عبد السلام، فك حبال الشباك من المقدمة.
ثم أشرت إلى الرجل أن يحتفظ بحبله وألا يحاول الاقتراب.
سألته عن طبيعة العطل الذي أصاب اليخت، فأوضح أن المشكلة ليست في محركه، وإنما في مولد الكهرباء الذي توقف عن العمل، تاركا إياهم دون الطاقة اللازمة لتشغيل تجهيزاتهم الكهربائية، بما فيها جهاز التواصل وأضواء الملاحة.
عندها بدأت الصورة تتضح.
لم يكن اليخت عاجزا بالضرورة عن الإبحار، لكن الظلام الذي أحاط به، وتعطل أجهزاته، جعلا رحلته محفوفة بالمخاطر، خصوصا في منطقة تعبرها سفن تجارية لا تحصى .
تأملت الرجل وزوجته.
كانا في عمر يستحق فيه المرء أن يطمئن إلى الأرض تحت قدميه، فإذا بهما يواجهان اتساع المحيط، على متن يخت صغير، لا يرافقهما سوى كلب بدا أكثر هدوءا من الجميع.
ولم أستطع منع نفسي من التفكير في تلك المفارقة العجيبة، نحن الذين نخرج إلى البحر مضطرين إلى طلب الرزق، وهما اللذان ربما خرجا إليه طلبا للمتعة والمغامرة، فإذا بالماء يجمعنا في لحظة تتساوى فيها هشاشة البشر، مهما اختلفت أسباب رحلاتهم.
لم يكن أمامي سوى التصرف بما تقتضيه المسؤولية. اتصلت بالجهة المختصة، وأبلغتها بموقعنا، وبوجود اليخت السويدي، وطبيعة العطل الذي أصابه، طالبا التدخل لتقديم المساعدة اللازمة.
كنت أريد أن أطمئن إلى سلامة الرجل وزوجته، وأن أحمي في الوقت نفسه مركبنا وطاقمه من أي التباس قد تجره علينا ظروف هذا اللقاء غير المتوقع. وبينما كنا ننتظر ما ستسفر عنه إجراءات التدخل، كنت أراقب اليخت من مسافة آمنة. كانت المرأة ترفع رأسها نحونا بين حين وآخر، كأنها تريد التأكد من أننا ما زلنا هناك، وكان الرجل يحاول الحفاظ على هدوئه، فيما جلس الكلب عند قدمي صاحبته، غير عابئ بكل تلك الحسابات التي تشغل البشر.
أما عمي عبد السلام، فكان يتابع المشهد بصمته المعهود، ثم قال:
الله يدير شي تاويل ديال الخير.
ابتسمت وأجبته:
آمين، آ عمي عبد السلام.
رفعت بصري إلى السماء.
كانت النجوم لا تزال في مواضعها، والمحيط محتفظا بسكونه الأول، حتى ليخيل إلى من يراه من بعيد أن شيئا لم يحدث.
غير أن شيئا عميقا كان قد تبدل في داخلي.
قبل قليل، كنت أستحضر آية النور، وأتأمل كيف يهتدي الإنسان في ظلمات البحر اللجي. وها أنا أجد نفسي أمام بشر أطفأ عطل صغير بعض أنوار رحلتهم، فقادهم الظلام إلى ضوء مركبنا.
تساءلت يومها عن المسافة التي تفصل بين النجدة والريبة، وعن ذلك الخيط الدقيق الذي ينبغي للبحار أن يمسكه، فلا يتخلى عن إنسانيته، ولا يفرط في سلامته.
كان بإمكاني أن أشيح بوجهي عن اليخت، وأتذرع بما يحيط المنطقة من شبهات ومخاطر، لكنني كنت أعرف أن للبحر عرفا أقدم من كل قوانين الموانئ والملاحة، قانونا تعلمناه قبل أن نتعلم أسماء الرياح واتجاهات التيارات.
أن الإنسان، حين يستغيث في عرض الماء، لا يُ
يسأل عن وجهته، وإنما عن حاجته. ومع ذلك، فإن النجدة لا تعني التهور، والشجاعة لا تعني أن نغلق أعيننا عن العواقب.
لقد فعلت ما أملاه علي ضميري، وما سمحت به ظروفنا، وتركت للجهة المسؤولة أن تتولى ما يدخل في اختصاصها.
وكلما استعدت تلك الليلة، تذكرت أننا خرجنا قبل الغروب لننصب شباكنا بُغْيةَ السمك، فإذا بنا نقع على حكاية لم تصطها شباكنا، ولم نكن نملك لها طعما ولا صنارة.
حكاية رجل وامرأة وكلب، ويخت سويدي فقد كهرباءه، ومركب مغربي كاد يجد نفسه في مواجهة أسئلة لا تنتهي.
لكن أكثر ما بقي في ذاكرتي لم يكن ذلك الظل الذي خرج من الغرب، ولا الضوء الذي ومض في العتمة، ولا حتى الخوف من محاضر التحقيق.
كان شيئا آخر.
لقد أدركت أن البحر، على اتساعه، قد يُضيِّقُ المسافة بين غرباء لم تجمعهم لغة ولا أرض ولا موعد، وأن النور الذي نبحث عنه في السماء قد يطلب منا أحيانا أن نكون نحن مصدره.
في تلك الليلة، تعطل مولد الكهرباء في اليخت السويدي، فاستغاث أصحابه بنا. أما نحن، فلم نكن نحمل مولدا للنور، وإنما حملنا ما يكفي من اليقظة كي لا تنطفئ إنسانيتنا.
ولعل هذا ما لم يكن في الحسبان:
أننا خرجنا إلى البحر نبحث عما يرزقنا الله به، فإذا بالبحر يختبر ما رزقنا الله من إنسانية.
---
#محمد_سعيد_المقدم
#من_ذاكرة_بحار
#ما_لم_يكن_في_الحسبان
#مجتمع

1 مشاركة38 مشاهدة