المطالبون بحقهم أربعة :
الاسود : حريص يتوسل من سلبه حقه فيسترجعه ، ما دامت الغاية الخضوع ..
الأحمر : قوي ، يسترجع حقه بالعنف من يد غاصبه ، لأنه لا يفل العنف الا عنف اعتى منه ..
الأبيض : عادل يطالب بحقه معتمدا قوة الإقناع ..
هذا النوع الشبيه بغاندي ، وهذا النوع هو الذي لا يحصل على اي شيء في عالمنا ..
الأخضر : ذكي ، يعتمد الحيلة ، حتى ان الغاصب قد لا ينتبه لمكره ، الا بعد عودة الحق لصاحبه ، فيلزم الجاني الصمت من خيبته ..
#محمد_سعيد_المقدم#فلسطين#حرية#مقاومة#مجتمع
منذ رحيل خالتي ( أم زوجتي فدوى الشماشي )، وأنا أتأمل تلك الأشياء الصغيرة التي يَضَعُها الله في طريق المفجوعين، فتكون أرفق بقلوبهم من كثير من كلمات العزاء؛ أشياء لا تغير من حقيقة الموت شيئا، ولا ترد غائبا إلى أهله، لكنها تمنح الحزن فسحة يتنفس فيها، وتترك في النفس من حسن الظن بالله ما يعينها على احتمال الفراق. قد أدركت وأنا أودع خالتي إلى مثواها، أن الموت لا يأخذ من البيوت شخصا واحدا فحسب وإنما يأخذ معه نظاما كاملا من الألفة، وعادات صغيرة كانت تحفظ للبيت روحه، وأصواتا لم نكن نعلم أنها تسند أيامنا حتى سكتت.
كانت خالتي ( تغمدها الله برحمته ) من أولئك النساء اللواتي لا يعرف مقدار ما يحملنه من حب إلا حين يغيبن. وقد رأيت من علاقتها بعمي (زوجها)، ما يجعلني أقول إن بينهما عشرة نادرة، بلغت من الصفاء مبلغا صارت معه المودة طبعا، والوفاء سجية، والعناية بالآخر بعضا من العناية بالنفس. كانت تقوم على شؤونه، وتحرص على راحته، وتقرأ حاجته في صمته، حتى لكأن السنين التي جمعتهما قد جعلت من قلبين قلبا واحدا يتقاسم التعب والطمأنينة.
وكنت كلما رأيتهما تذكرت قوله تعالى ( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ). فما كل مودة تصمد أمام السنين، وما كل حب يعرف كيف يشيخ جميلا. أما هما، فقد بدا لي أن العمر لم يزد علاقتهما إلا رسوخا، وأن المرض، على ما فيه من مشقة، كان يكشف من وفائهما ما قد تستره أيام العافية.
وكان من جميل أخلاقها أنها لم تحصر حنانها في بناتها، فقد امتد إلى أصهارها، حتى كأنها كانت ترى في أزواج بناتها أبناء آخرين لها وكانت توصي بناتها أن يسهرن على راحة أزواجهن، وأن يحفظن المودة في بيوتهن، وكأنها أرادت أن تورثهن من تجربتها ما هو أثمن من كل وصية أن العشرة الطيبة بناء يومي من الرحمة، وأن البيوت لا تستمد سكينتها من جدرانها وأسقفتها، وإنما من الرحمة التي تتسع بها قلوب ساكنيها.
وقد حدثتني ابنتها العزيزة هناء هناء الشماشي بما أعاد إلي صورة أمها في أصفى تجلياتها. ففي الأسبوع الماضي، وكانت العطلة قد جمعت بعض أهل البيت بمدينة المضيق، أصبت من جديد في ركبتي، فعادت إلي عكازيَّ، وعدت أمشي على ثلاث، كأن الطريق الذي كنت أظنني استعدت القدرة على قطعه أراد أن يختبر صبري مرة أخرى. كنت يومها أفضل أن تبقى زوجتي وابنتي في بيت جدها ( والد زوجتي )، فقد كان هو أيضا قد تعرض لحادث في منزله، وكنت أرى أن حاجته إلى قرب أهله أولى من أن أشغلهم بما أصابني، غير أن خالتي على ما كانت تعانيه من مرض، لم يغب عنها أمري، فقالت لابنتها، ما معناه ( اذهبي إلى زوجك، فهو في حاجة إليك ) يا الله، ما أوسع قلب الأم حين يتسع حتى لمن دخلوا بيتها بالمصاهرة. كانت مريضة، وكان زوجها مصابا، ومع ذلك وجدت في قلبها متسعا لتفكر في ركبتي المتعبة، وفي حاجتي إلى من يؤنسني ويعينني، لم تكن تلك العبارة عندها درسا في الأخلاق، فقد كانت الأخلاق تجري على لسانها بعفوية الماء، وكانت الرحمة تسبق تفكيرها إلى مواضع الحاجة، ولم أكن أعلم أن تلك الوصية ستكون من آخر ما يصلني من حنانها. اليوم تذكرت قولها، فشعرت أنني تلقيت منها شيئا يشبه وصية أم لابنها ولعل هذا ما يجعل الفقد أعمق من حدود القرابة، فقد نكون أصهارا في سجلات العائلة، ثم تصنع المحبة بيننا نسبا آخر لا تكتبه الأسماء.
وكانت أما لسبع بنات، وما أدراك ما سبع بنات نشأن في كنف امرأة عرفت معنى الرحمة والوفاء، كانت لهن أما، وكانت في الوقت نفسه تحفظ لبيوتهن حقها من العناية، فلا تستأثر بهن لنفسها، ولا تجعل محبتهن لها حائلا دون مسؤولياتهن، كأن أمومتها لم تكن رغبة في أن يبقين حولها، وإنما حرصا على أن يحملن من الخير إلى بيوتهن ما حملته هي إلى بيتها، كما خطر ببالي وأنا أتأمل هذه السيرة، معنى ما ورد في السنة من عظيم فضل الإحسان إلى البنات، وأن من أحسن إليهن كن له سترا من النار. فكيف بأم أنفقت من عمرها في تربية سبع بنات، وأورثتهن من حنانها ووصاياها ما يبقى بعد رحيلها؟ إننا لا نزكي على الله أحدا، ولكننا نرجو لها من واسع فضله ما تقر به عينها في دار البقاء.
وقد اتصل بي الأخ الحبيب الأديب الشاعر فيصل البقالي ( Faiçal El Amine Bakkali )، وحملني تعازيه إلى أبنائها وبناتها وزوجها، وقبل أن أسلم الهاتف إلى عمي قال: رزقها الله الفردوس.
فقلت له من فوري ( وهي لها إن شاء الله، فهي أم سبع بنات ). لم أقل ذلك ادعاء بعلم الغيب، وحاشا أن يملك أحدنا مفاتيح الرحمة، وإنما قلته رجاء وحسن ظن برب لا تضيق خزائن رحمته، واستحضارا لما جاء في فضل رعاية البنات والإحسان إليهن، ولعل المكلوم، حين يشتد به الحزن، يتعلق من أبواب الرجاء بما يطمئن به قلبه، ويجد في سعة رحمة الله عزاء لا تمنحه له الدنيا. ثم إن الجيران، أولئك الشهود الذين يعرفون من الإنسان ما قد يخفى على أقرب الناس إليه، أخذوا يتحدثون عن فضائلها، وعن طيب معاشرتها وحسن جوارها. وكنت أصغي إلى شهاداتهم فأشعر أن خالتي لم تترك في بيتها وحده فراغا، وإنما تركت في محيطها أثرا من الخير. وما أكرم الإنسان حين يصبح ذكره الجميل على ألسنة جيرانه بعض ما يواسي أهله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أثنى الناس عليه خيرا: ( وجبت )، ثم بين أن المؤمنين شهداء الله في الأرض وليس في ذلك حكم منا بمصير أحد، وإنما فيه ما يفتح للقلب باب الرجاء حين يسمع من الناس شهادة طيبة فيمن أحب.
وللمقابر في نفسي حكاية أخرى مع السكينة، يوم مات والدي رحمه الله، ووصلت إلى المقبرة، نظرت إلى قبره الذي حُفر تحت قدمي أمه، جدتي رحمها الله. كان المشهد مؤثرا على نحو لا أستطيع تفسيره، الرجل الذي خرج من رحم أمه، وعاش عمرا من الكد والتعب، عاد في آخر رحلته ليستقر قريبا منها، كأن الأرض أعادت ترتيب القرابة على صورتها الأولى. توفي والدي فجر آخر جمعة من رمضان، فبقي لذلك الفجر في نفسي معنى خاص، لا لأنني أعلم ما قضى الله له عنده، فذلك غيب لا يعلمه سواه، وإنما لأن للقلوب إشاراتها التي تتعزى بها، وللأزمنة في ذاكرة المحبين ظلالا لا تزول.
أما #خالتي، فقد شاء الله أن يكون قبرها تحت شجرة الصنوبر، فوق ربوة تطل على البحر، ما إن وقفت هناك حتى استيقظ في خاطري مشهد آخر من مشاهد السيرة النبوية، بيعة #الرضوان، يوم بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فنزل فيهم قوله تعالى ( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) لم تكن شجرة الصنوبر تلك شجرة الرضوان، ولا للمكان حكم يتجاوز ما جعله الله له، غير أن الذاكرة حين تكون مغمورة بالحزن تستدعي من القرآن ما يفتح لها نوافذ الطمأنينة، لقد ذكرتني الشجرة بذلك المشهد المبارك، فتعلقت نفسي بمعنى الرضوان، وسألت الله أن يجعل لخالتي نصيبا من رضاه ورحمته، كان البحر أمام الربوة، ذلك البحر الذي قضيت شطرًا طويلًا من عمري أقرأ تغيراته وأصغي إلى أمواجه، حاضرا في مشهد الوداع، ولأول مرة شعرت أن البحر الذي طالما حملني بعيدا عن البر صار شاهدا صامتا على عودتنا جميعا إلى التراب، كم عبرت من مياهه، وكم رأيت من فجر يولد على صفحته، وكم ظننت أنني أعرف شيئا من أسرار الرحيل، لكنني لَمَّا وقفت عند قبر خالتي أدركت أن أبعد الرحلات ليس ما تقطعه السفن، وإنما تلك الرحلة التي يمضي فيها الأحبة إلى عالم لا نملك أن نلحق بهم إليه إلا حين يحين أجلنا، رحلت خالتي في الثلث الأخير من الليل، صبيحة الاثنين، في ساعة يأنس فيها المؤمن بذكر الله والدعاء، ويستحضر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من فضل ذلك الوقت، حين ينادي ربنا، على الوجه اللائق بجلاله، من يدعوه فيستجيب له، ومن يستغفره فيغفر له، فوجدت في موافقة رحيلها لذلك الوقت ما يبعث في نفسي الرجاء، دون أن أجعل من الساعة دليلا على منزلة لا يعلمها إلا الله.
ثم جاءت أول ليلة لها في قبرها وكان القمر قد ظهر في تزامنا مع مغرب أمس، وقد مضت أيام اكتماله وبدأ نوره ينقص شيئا فشيئًا. نظرت إليه، فإذا هو يذكّرني بما نغفل عنه ونحن مشغولون بحساب الأيام، أن كل تمام في هذه الدنيا يعقبه نقصان، وأن البقاء لله وحده. ولم أجد في ذلك المشهد نذيرا ولا علامة على مصير، وإنما وجدته صورة من صور المواساة التي يمنحها التأمل للإنسان. كان القمر يمضي في منازله، والبحر يواصل مده وجزره، والصنوبر قائما فوق ربوة، فيما كانت خالتي تقضي ليلتها الأولى في عالم البرزخ، أحسست أن الكون كله يمضي في طاعته لسنن الله، وأن علينا نحن أيضا أن نتعلم كيف نسلم لما لا نملك تغييره.
وقد وجدتني أستحضر، وأنا أتأمل معنى الأمومة بعد رحيلها، قصيدة الشاعر الحبيب حسين العبدالله ، سفير من قلب أمي، ولا سيما ذلك النداء الموجع الذي يجعل ذكر الأم ملاذا من تعب الطريق ( أمي تعالَ بذكرها ننْسَ الهمومَ فذكرُ أمي - يا سميرُ - سميرُ ).
فما أكثر ما تصنعه الأم في حياة أبنائها دون أن تنتظر اعترافا، وما أعظم ما تتركه حين ترحل، إنها لا تغادر البيت وحده، تغادر معه طريقة مخصوصة في النداء، ودفئا كان يسكن التفاصيل، وطمأنينة كانت تأتي من مجرد العلم بأنها هناك.
وقد كانت خالتي بالنسبة إلى بناتها هذا المعنى كله، وكانت بالنسبة إليَّ #أُمًّا عرفت حنانها قبل أن أفهم لغتها وما زلت أذكر كيف كانت تناديني #محمد_سَعيدِنُو، فأفهم من نبرتها ما لم أكن أفهمه من الأمازيغية، وهذا الصباح وأنا أستعيد ذلك الصوت، شعرت أن بعض الكلمات لا تموت بموت أصحابها، وإنما تتحول في القلب إلى مواضع للحنين، ولعل أشد ما يؤلمني في رحيلها أنني كلما استعدت صورتها وجدتها حية في التفاصيل: في وصيتها لابنتها أن تعود إليَّ حين أصبت في ركبتي، وفي عنايتها بعمي، وفي ضحكتها بين بناتها، وفي صلاتها وذكرها، وفي شهادات الجيران لها، وفي ذلك النور الذي رأيته على وجهها أول مرة فهذه الأشياء البسيطة هي التي تصنع سيرة الإنسان الحقيقية، فليس كل من عاش طويلا ترك أثرا عميقا، وليس كل من غادر الدنيا غادر قلوب أهلها. وقد علمني هذا الفقد أن السكينة لا تعني أن يزول الحزن، وإنما أن يجد الحزن مكانا إلى جواره للرضا والرجاء. وأن المؤمن يستطيع أن يبكي من يحب، وأن يشتاق إليه، وأن يضيق صدره بغيابه، ثم يرفع رأسه إلى السماء وهو يقول ( إنا لله وإنا إليه راجعون ).
رحم الله والدي الذي استقر قريبا من أمه، ورحم جدتي التي سبقت إليه، ورحم خالتي التي أودعناها تحت الصفصاف المطل على البحر، اللهم اجعل قبورهم نورا وسعة، وآنس وحشتهم، وأكرم نزلهم، واجمعنا بهم في دار لا فراق فيها ولا مرض ولا وجع.
وأما عمي الذي فقد رفيقة عمره، فأسأل الله أن يربط على قلبه، وأن يجعل في بناته وأهله سلوة له، وأن يبقي له من آثار مودتها ما يخفف عنه وحشة المكان فإن أصعب ما يواجهه من فقد شريك عمره ليس يوم الجنازة وحده، وإنما تلك الأيام التي تعود فيها الحياة إلى عادتها، ثم يلتفت إلى موضع ألف فيه وجها وصوتا، فلا يجد إلا الذكرى. وأما بناتها السبع ( #رفيقة،#فدوى،#هناء،#ربيحة،#نجيمة،#حنان، و #هدى ) وولديها ( #محمد، و #مسلم )، فليحفظوا من أمهن ذلك الميراث الذي لا يقسمه وارث ولا تنقصه الأيام، رحمتها، وصلاتها، ووفاءها، وحسن عشرتها. وليجعلهم من وصاياها حياة تتجدد في بيوتهن، فإن أجمل ما نًبِرُّ به موتانا أن يظل الخير الذي علمونا إياه حيّا فينا.
أما أنا سأبقى كلما تذكرت قبرها فوق تلك الربوة، وشجرة الصنوبر التي تظلله، والبحر الذي يمتد أمامه، أذكر أن الله جعل في هذه الدنيا من أسباب المواساة ما لا يخطر لنا على بال، قبرا قريبا من قبر أم، وشجرة تستدعي آية الرضوان، وثلثا أخيرا من الليل يوقظ الرجاء، وقمرا يعلمنا معنى الزوال، وجارا يشهد بخير، وكلمة من صديق تفتح باب الدعاء، ولعل أبلغ ما تركته خالتي في قلبي أنها، قبل رحيلها بأيام، كانت تفكر في راحتي وأنا أمشي على ثلاث، ثم مضت إلى ربها، وتركتني أمشي في ذكراها بقلب يتعثر كلما سمع اسمها.
سلام على روحها في رحمة الله، وسلام على تلك المودة التي لم يقطعها الموت من قلوبنا.
مع خالص الشكر وعظيم الامتنان لكل من واسانا في مصابنا بوفاة أمنا الغالية والدة زوجتي، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته..
#محمد_سعيد_المقدم#مجتمع#مجتمع_عام
لم نكن ونحن ندخل مجلس الشاعر الأردني محمد الفراية على تطبيق مجتمع، نعلم أن السؤال الذي اجتمعنا حوله سيغادر حدود النقاش ليصير تجربة نعيشها، وأن المكان الذي جئنا نستفهم عن حضوره في النص الأدبي سيخرج من النص، ويجلس بيننا، ويصغي إلى أصواتنا، ثم يرافقنا خمس ساعات كاملة، متنقلا من بلد إلى بلد، ومن ذاكرة إلى أخرى، حتى غدا المجلس نفسه نصا مفتوحا على جغرافيا لا تنتهي عند حدود الخرائط.
كان السؤال، في ظاهره، أدبيا: كيف يكون للمكان أن يكون حاضرا في النص؟ وهو سؤال يستدعي أكثر من إجابة، لأن المكان في الأدب لا يُختزل في تضاريسه، ولا يُقاس بما يشغله من مساحة، ولا تحدده الجهات الأربع. فقد تكون الغرفة أوسع من مدينة، وقد يتسع زقاق ضيق لطفولة كاملة، وقد تحمل نافذة واحدة من العالم ما تعجز عنه خرائط القارات.
ولعل غاستون باشلار، وهو يتأمل جماليات المكان، كان يدرك أن البيوت التي نسكنها تسكننا بدورها، وأن الذاكرة لا تحتفظ بالجدران بقدر ما تحتفظ بما جرى بينها من أحلام ورجفات وأصوات. فالمكان، حين يدخل الأدب، يتخلى عن حياده الهندسي، ويكتسب سيرة أخرى، حتى ليغدو الكرسي الذي غاب عنه صاحبه أبلغ من مجلس مكتظ، وتصير عتبة البيت شاهدًا على الذين عبروا ولم يعودوا.
وفي ذلك شيء من حكمة الأطلال في الشعر العربي القديم؛ فما كان امرؤ القيس حين وقف واستوقف وبكى واستبكى يسأل الحجارة عن أخبارها، وإنما كان يستنطق الزمن المتحجر في المكان. ولم يكن المكان عنده مجرد ديار خلت من أهلها، وإنما كان الوعاء الذي بقي بعدما انسكبت منه الحياة.
ولعل أجمل ما في الأدب أن المكان فيه لا يظل على حاله. فبغداد المتنبي ليست بغداد الجغرافيين، وأندلس ابن زيدون ليست أندلس المؤرخين، والقدس في وجدان محمود درويش تتجاوز حجارتها وأسوارها إلى المعنى الذي يجعل الأرض قادرة على حمل الإنسان حتى وهو بعيد عنها.
هكذا مضى الحديث، تتقاطع فيه القراءات والانطباعات، وتتجاور الرؤى، ويستدعي النص نصًّا آخر، حتى بدا المجلس كأنه سوق عكاظ صغيرة، لا يتبارى فيها الشعراء على الغلبة، وإنما يتقاسمون ما تيسر من الدهشة، ويختبرون قدرة اللغة على أن تجمع ما فرّقته المسافات.
ثم حدث ما لم يكن في الحسبان.
تعثر اتصال الشاعر محمد الفراية بالإنترنت، فغاب صوته عن إدارة المجلس، غير أن السؤال ظل حاضرا، كأن المكان أراد أن يتدخل بنفسه في النقاش، وأن يبرهن لنا أن الحضور ليس دائمًا رهين الجسد، وأن الغياب قد يكون صورة أخرى من صور الامتداد.
انتقلت الإدارة إلى الشاعر العراقي كنعان، فكان في ذلك الانتقال شيء من رمزية لا تخفى على من يعرف ما للعراق من مقام في ذاكرة الأدب العربي. فمن أرض الرافدين، حيث تعلم الطين أن يحفظ الكلام، وحيث كتب الإنسان بعض أقدم أسئلته عن الحياة والموت والخلود، واصل المجلس رحلته.
وخُيِّل إليَّ أن جلجامش، الخارج من ألواحه القديمة بحثا عن سر البقاء، لو أدرك مجلسنا، لوجد أن الإنسان ما زال يطارد السؤال نفسه، وإن تبدلت الوسائل؛ فما الذي يبقى من الإنسان بعد عبوره، سوى الأثر الذي يتركه في ذاكرة الآخرين؟
ثم سلم كنعان ( Kanaan Hatam ) مشعل الإدارة إلى الشاعر المصطفى حناني ، المقيم في فرنسا، فانتقل بنا المجلس إلى ضفة أخرى من المتوسط، دون أن نحتاج إلى جواز سفر أو تأشيرة عبور. وكانت تلك لحظة تستحق التأمل؛ إذ كيف يمكن لصوت أن يقيم في فرنسا، ويحمل ذاكرته العربية، ويستضيف أصواتا من جهات شتى، ثم يجعل الجميع يشعرون بأنهم في غرفة واحدة؟
هنا تذكرت عبارة الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس، في معناها العميق: ( ستظل المدينة تتبعك ). فالإنسان لا يغادر أمكنته جميعًا حين يرحل، وبعض المدن تسافر معه، مختبئة في لكنته، وفي اختياراته اللغوية، وفي تلك التفاصيل الصغيرة التي لا ينتبه إليها إلا من يعرف أن للحنين جغرافيا لا ترسمها الأطالس.
ولعل المهاجر، أكثر من سواه، يدرك أن المكان ليس ما تقف عليه القدمان وحدهما، وإنما ما تلتفت إليه الروح كلما ناداها صوت قديم.
كنت أصغي إلى هذا الانتقال العجيب، وأستعيد في نفسي شيئا من سيرة البحر. وأنا الذي عرفت كيف تتغير الجهات في عرض الماء، وكيف يصبح الأفق وطنا مؤقتا للبحّار، وجدتني أمام بحر آخر، لا ملوحة فيه ولا مرافئ، ومع ذلك كانت له أمواج وتيارات ومسافات، وكانت أصوات المشاركين فيه سفنا صغيرة، تحمل من شواطئها ما يكفي لتوسيع معنى الرحلة.
في البحر نحتاج إلى بوصلة لنعرف أين نمضي، أما في ذلك المجلس، فقد كانت الكلمة بوصلة الجميع، وكان الإصغاء شاطئًا مشتركًا.
ومضت الساعات. خمس ساعات كاملة، لم أشعر خلالها بأننا نقيم في مكان ثابت. كان المجلس يتحرك على نحو لا تراه العين، يعبر البلدان مع انتقال الأصوات، ويبدل نوافذه كلما تَسَلَّم أحدهم مشعل الحديث. كأننا في رحلة من رحلات ابن بطوطة، غير أن الرحالة هذه المرة لم يكن شخصا واحدا، وإنما كان سؤالا يسافر بين الناس، ويعود من كل محطة مُحمَّلًا بمعنى جديد.
ولم تكن المفارقة في أن مجلسا افتراضيا جمع أصواتا متباعدة، فذلك مما اعتدناه في زمن التقنية، وإنما في أن السؤال عن ثقافة المكان جعلنا نكتشف، دون تخطيط، أننا نشارك في صناعة مكان له ثقافته الخاصة.
مكان لا أبواب له، ومع ذلك ندخله.
لا جدران تحده، ومع ذلك نشعر بألفته.
لا عنوان بريديا له، ومع ذلك نهتدي إليه.
ولا يحتاج من يقيم فيه إلى أن يتخلى عن مدينته كي يجاور الآخرين.
ولعل هذا ما يجعل تجربة مجتمع جديرة بالتأمل خارج حدود كونها تطبيقا للتواصل. فالتقنية تستطيع أن تجمع الأصوات، غير أن البشر وحدهم يمنحون اجتماعها معنى. وما المنصة، مهما اتسعت إمكاناتها، سوى فضاء ينتظر أن تؤثثه الأرواح بما تحمل من معرفة وذائقة واختلاف وذاكرة. لقد علمنا الفضاء الرقمي أن المسافة لم تعد دائما عائقا أمام اللقاء، لكنه لم يضمن لنا أن يكون كل لقاء جديرا بالوقت الذي ننفقه فيه. فثمة مجالس تتسع فيها الأعداد ويضيق المعنى، وثمة مجالس قليلة الأصوات تستطيع أن تفتح في الفكر نوافذ كثيرة. وما شهدته اليوم كان من ذلك النوع الذي يستبقي في الذاكرة أثرا يتجاوز زمن انعقاده.
وفي هذا المعنى تحضرني حكمة ابن عربي: ( المكان إذا لم يؤنث لا يُعوَّل عليه )، بما تفتحه من أفق رمزي في النظر إلى المكان بوصفه قابلا للاحتضان والتكوين والولادة. وقد بدا لي مجلسنا حاضنة لأفكار تتوالد من بعضها، ولأسئلة لا تطلب نهاية بقدر ما تبحث عن أفق أرحب. ولأن لكل رحلة خاتمة، وجدتني، بعد تعاقب الأيدي على إدارة المجلس، أتسلّم آخر المشاعل.
كان علي أن أختتم اللقاء وأغلق المجلس، بعدما امتد بنا الحديث خمس ساعات. وهنا استوقفتني مفارقة أخرى: كيف يمكن للمرء أن يغلق مكانا لم يفتح له باب؟ وكيف ينهي مجلسا ما زالت بعض أفكاره تتحرك في داخله؟
أدركت يومها أن إغلاق المجلس ليس بالضرورة نهاية اللقاء، وأن بعض الأمكنة تبدأ حياتها الحقيقية بعد مغادرتها، حين تتحول إلى ذكرى، أو فكرة، أو نص، أو رغبة في العودة.
ولعل هيراقليطس، الذي رأى أن الإنسان لا ينزل النهر نفسه مرتين، كان سيجد في هذه التجربة شاهدا آخر على جريان الأشياء؛ فالمجلس الذي افتتحه محمد الفراية لم يكن هو المجلس نفسه الذي اختتمته بعد خمس ساعات. لقد عبرته أصوات، وتبدلت فيه الأسئلة، وتراكمت داخله الانطباعات، حتى صار زمنا مشتركا لا يستطيع أحدنا أن ينسبه إلى نفسه وحده.
وأجمل ما في الأمر أن المجلس كان، على نحو مجازي، يتبع الشمس من بلد إلى بلد.
كلما انتقل مشعل الإدارة إلى يد، انفتحت جهة جديدة من الجهات، وكأن الضوء يرفض أن يستقر في نافذة واحدة. من الأردن إلى العراق، ومن العراق إلى فرنسا، وصولًا إلى المغرب، كانت الجغرافيا تتراجع أمام هذا الامتداد الإنساني، دون أن تفقد خصوصيتها. فلكل صوت تربته، ولكل شاعر مدينته التي تتكلم في حروفه، ولكل تجربة ظلها الذي لا يشبه سواه.
وهكذا لم نكن نلغي المسافات، وإنما كنا نمنحها معنى آخر.
فالمسافة التي تفصل بين مدينتين قد تكون آلاف الكيلومترات، أما المسافة التي تفصل بين روحين فقد تختصرها جملة واحدة صادقة، وقد تعجز أعوام من المجاورة عن اختصارها.
ولست أدري إن كان محمد الفراية، وهو يختار عنوان مجلسه، قد توقع أن يتحول السؤال من موضوع للنقاش إلى صورة حية لما نناقشه. فقد بدأنا نتساءل عن حضور المكان في النص الأدبي، وانتهينا إلى اكتشاف حضور النص في صناعة المكان.
وما أروع أن تسبق التجربة خلاصتها، وأن يكتب المجلس، بحركته العفوية، الجواب الذي ظللنا نبحث عنه في الكتب والقصائد والانطباعات!
لقد كان المكان حاضرا في كل شيء: في ذاكرة من قرأ، وفي مرجعيات من ناقش، وفي لهجات المشاركين، وفي اختلاف زوايا النظر، وفي انتقال الإدارة بين بلدان لا يجمعها جوار جغرافي مباشر، وإنما تجمعها اللغة والرغبة في المعرفة.
وكان الزمان حاضرا كذلك، لا بوصفه خمس ساعات على عقارب الساعة، وإنما بوصفه مدة امتلأت بما يجعلها أطول في الذاكرة وأقصر في الشعور.
وهنا أفكر في أن الثقافة، في أحد أجمل وجوهها، هي القدرة على تحويل العبور إلى إقامة؛ أن نمرّ بمكان فنترك فيه شيئا منا، وأن يمر بنا إنسان فيترك في وعينا نافذة لم تكن موجودة.
لقد دخلنا المجلس أفرادا يحمل كل منا مكانه الخاص، وخرجنا منه نحمل مكانا مشتركا.
لم يعد الأردن بعيدا كما كان، ولا العراق مجرد اسم في ذاكرة الشعر، ولا فرنسا ضفة أخرى من البحر، ولا المغرب آخر محطة في رحلة الأصوات. لقد اجتمعت هذه الجهات، لساعات، في مدار واحد، وكان مجتمع هو ذلك المدار، وكانت الثقافة قوة الجذب التي حالت دون تشتت كواكبه. ولعلني، وأنا أغلق المجلس لم أكن أغلق شيئا على الحقيقة. كنت أضع فاصلة في نص طويل، بدأه محمد الفراية بسؤال، ووسّعه كنعان بحضوره، وحمل مصطفى حناني بعض ضوئه، وأسهم في كتابته كل من قرأ وناقش وأصغى، ثم وجدتني عند آخر سطر منه، أبحث عن نقطة لا تشبه النهاية.
ثم كان للمجلس في دقائقه الأخيرة، موعد مع التفاتة نقدية جميلة، حين التحق بنا الأستاذ رحال الإدريسي، وأصغى إلى قصيدتي، ثم قال في تعقيبه ما معناه إن الشاعر ينطلق في نصه من البحر الذي يسكنه صيفا وشتاء.
استوقفتني هذه الملاحظة لما تنطوي عليه من نفاذ إلى العلاقة الخفية بين الشاعر ومكانه؛ إذ ليس البحر، في تجربتي، مشهدا أستعيره كلما احتجت إلى صورة، ولا معجما من الموج والمرافئ والرياح ألوذ به حين تضيق العبارة، وإنما هو خبرة طويلة تسربت إلى اللغة حتى غدت بعضا من طبيعتها. ولعل الإنسان حين يطيل الإقامة في مكان، يفقد القدرة على النظر إليه من خارجه؛ تتداخل تضاريسه مع تضاريس الروح، وتصبح له في الذاكرة أعماق لا تبلغها خرائط الجغرافيين.
وهنا استعدت مقولة باشلار عن المكان الذي نأوي إليه، وفكرت في أن البحر، على اتساعه وانعدام جدرانه، قد يكون بيتا من نوع آخر؛ بيتا لا سقف له سوى السماء، ولا أرض تستقر تحت ساكنه، ومع ذلك يمنحه ألفة لا يجدها في أكثر البيوت رسوخا.
لقد أعاد الأستاذ رحال الإدريسي ، بتعقيبه الموجز، سؤال المجلس إلى تجربتي الشخصية، وكأن الرحلة الطويلة التي قطعها النقاش بين البلدان انتهت عند شاطئ أعرفه، لأكتشف أنني كلما حاولت الكتابة بعيدا عن البحر، وجدت شيئا منه قد سبقني إلى القصيدة.
ولعل تلك كانت إحدى أجمل مفارقات اللقاء: أن نبحث طوال الساعات عن حضور المكان في الأدب، ثم يأتي صوت في الدقائق الأخيرة ليذكرني بأن بعض الأمكنة لا تنتظر أن نستحضرها في النص، لأنها تقيم فينا قبل أن نكتب، وتتكلم من خلالنا حتى حين نظن أننا نتحدث عن أشياء أخرى.
فليس كل من كتب عن البحر بحّارا، وليس كل من غادر البحر قد خرج منه.
لهذا أكتب الآن، لا لأوثق مجلسا مضى، وإنما لأحتفظ بشيء من تلك المفارقة الجميلة: أن نتحدث عن المكان ونحن نؤسس، بالكلام نفسه، مكانا جديدا.
فما المكان، في نهاية الأمر، إذا لم يكن تلك المساحة التي يستطيع فيها الإنسان أن يجد شيئا من نفسه في الآخرين؟
وما الثقافة إذا لم تكن هذا الامتداد الذي يمنح اختلاف الجهات قدرة على التلاقي، ويجعل من الإصغاء شكلا من أشكال الضيافة؟
شكرا للشاعر محمد الفراية الذي فتح السؤال والمجلس، وللشاعرين كنعان ومصطفى حناني اللذين حملا أمانة امتداده، ولكل من أسهم في إثراء هذا اللقاء بحرف أو قراءة أو تأمل أو إصغاء.
أما أنا، فقد خرجت منه بفكرة واحدة تستحق أن أحتفظ بها طويلا، كنا نظن أننا نبحث عن المكان في النص، فإذا بالنص يمنحنا مكانا نقيم فيه، وكانت الشمس تدور خارج المجلس، فيما كان المجلس يوسّع مدارها فينا.
وأحب أن أختم بهذه العبارة وهي للدكتور عبد السلام المنصوري من كتابه الرواية والدهشة ( العالم نص مقيد وضيق، والنص عالم فسيح وممتد ).
#محمد_سعيد_المقدم
طنجة، 23 أكتوبر 2026
#مجتمع@المتابعون