ما لا يأخذه الموت معه
منذ رحيل خالتي ( أم زوجتي فدوى الشماشي )، وأنا أتأمل تلك الأشياء الصغيرة التي يَضَعُها الله في طريق المفجوعين، فتكون أرفق بقلوبهم من كثير من كلمات العزاء؛ أشياء لا تغير من حقيقة الموت شيئا، ولا ترد غائبا إلى أهله، لكنها تمنح الحزن فسحة يتنفس فيها، وتترك في النفس من حسن الظن بالله ما يعينها على احتمال الفراق. قد أدركت وأنا أودع خالتي إلى مثواها، أن الموت لا يأخذ من البيوت شخصا واحدا فحسب وإنما يأخذ معه نظاما كاملا من الألفة، وعادات صغيرة كانت تحفظ للبيت روحه، وأصواتا لم نكن نعلم أنها تسند أيامنا حتى سكتت.
كانت خالتي ( تغمدها الله برحمته ) من أولئك النساء اللواتي لا يعرف مقدار ما يحملنه من حب إلا حين يغيبن. وقد رأيت من علاقتها بعمي (زوجها)، ما يجعلني أقول إن بينهما عشرة نادرة، بلغت من الصفاء مبلغا صارت معه المودة طبعا، والوفاء سجية، والعناية بالآخر بعضا من العناية بالنفس. كانت تقوم على شؤونه، وتحرص على راحته، وتقرأ حاجته في صمته، حتى لكأن السنين التي جمعتهما قد جعلت من قلبين قلبا واحدا يتقاسم التعب والطمأنينة.
وكنت كلما رأيتهما تذكرت قوله تعالى ( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ). فما كل مودة تصمد أمام السنين، وما كل حب يعرف كيف يشيخ جميلا. أما هما، فقد بدا لي أن العمر لم يزد علاقتهما إلا رسوخا، وأن المرض، على ما فيه من مشقة، كان يكشف من وفائهما ما قد تستره أيام العافية.
وكان من جميل أخلاقها أنها لم تحصر حنانها في بناتها، فقد امتد إلى أصهارها، حتى كأنها كانت ترى في أزواج بناتها أبناء آخرين لها وكانت توصي بناتها أن يسهرن على راحة أزواجهن، وأن يحفظن المودة في بيوتهن، وكأنها أرادت أن تورثهن من تجربتها ما هو أثمن من كل وصية أن العشرة الطيبة بناء يومي من الرحمة، وأن البيوت لا تستمد سكينتها من جدرانها وأسقفتها، وإنما من الرحمة التي تتسع بها قلوب ساكنيها.
وقد حدثتني ابنتها العزيزة هناء هناء الشماشي بما أعاد إلي صورة أمها في أصفى تجلياتها. ففي الأسبوع الماضي، وكانت العطلة قد جمعت بعض أهل البيت بمدينة المضيق، أصبت من جديد في ركبتي، فعادت إلي عكازيَّ، وعدت أمشي على ثلاث، كأن الطريق الذي كنت أظنني استعدت القدرة على قطعه أراد أن يختبر صبري مرة أخرى. كنت يومها أفضل أن تبقى زوجتي وابنتي في بيت جدها ( والد زوجتي )، فقد كان هو أيضا قد تعرض لحادث في منزله، وكنت أرى أن حاجته إلى قرب أهله أولى من أن أشغلهم بما أصابني، غير أن خالتي على ما كانت تعانيه من مرض، لم يغب عنها أمري، فقالت لابنتها، ما معناه ( اذهبي إلى زوجك، فهو في حاجة إليك ) يا الله، ما أوسع قلب الأم حين يتسع حتى لمن دخلوا بيتها بالمصاهرة. كانت مريضة، وكان زوجها مصابا، ومع ذلك وجدت في قلبها متسعا لتفكر في ركبتي المتعبة، وفي حاجتي إلى من يؤنسني ويعينني، لم تكن تلك العبارة عندها درسا في الأخلاق، فقد كانت الأخلاق تجري على لسانها بعفوية الماء، وكانت الرحمة تسبق تفكيرها إلى مواضع الحاجة، ولم أكن أعلم أن تلك الوصية ستكون من آخر ما يصلني من حنانها. اليوم تذكرت قولها، فشعرت أنني تلقيت منها شيئا يشبه وصية أم لابنها ولعل هذا ما يجعل الفقد أعمق من حدود القرابة، فقد نكون أصهارا في سجلات العائلة، ثم تصنع المحبة بيننا نسبا آخر لا تكتبه الأسماء.
وكانت أما لسبع بنات، وما أدراك ما سبع بنات نشأن في كنف امرأة عرفت معنى الرحمة والوفاء، كانت لهن أما، وكانت في الوقت نفسه تحفظ لبيوتهن حقها من العناية، فلا تستأثر بهن لنفسها، ولا تجعل محبتهن لها حائلا دون مسؤولياتهن، كأن أمومتها لم تكن رغبة في أن يبقين حولها، وإنما حرصا على أن يحملن من الخير إلى بيوتهن ما حملته هي إلى بيتها، كما خطر ببالي وأنا أتأمل هذه السيرة، معنى ما ورد في السنة من عظيم فضل الإحسان إلى البنات، وأن من أحسن إليهن كن له سترا من النار. فكيف بأم أنفقت من عمرها في تربية سبع بنات، وأورثتهن من حنانها ووصاياها ما يبقى بعد رحيلها؟ إننا لا نزكي على الله أحدا، ولكننا نرجو لها من واسع فضله ما تقر به عينها في دار البقاء.
وقد اتصل بي الأخ الحبيب الأديب الشاعر فيصل البقالي ( Faiçal El Amine Bakkali )، وحملني تعازيه إلى أبنائها وبناتها وزوجها، وقبل أن أسلم الهاتف إلى عمي قال: رزقها الله الفردوس.
فقلت له من فوري ( وهي لها إن شاء الله، فهي أم سبع بنات ). لم أقل ذلك ادعاء بعلم الغيب، وحاشا أن يملك أحدنا مفاتيح الرحمة، وإنما قلته رجاء وحسن ظن برب لا تضيق خزائن رحمته، واستحضارا لما جاء في فضل رعاية البنات والإحسان إليهن، ولعل المكلوم، حين يشتد به الحزن، يتعلق من أبواب الرجاء بما يطمئن به قلبه، ويجد في سعة رحمة الله عزاء لا تمنحه له الدنيا. ثم إن الجيران، أولئك الشهود الذين يعرفون من الإنسان ما قد يخفى على أقرب الناس إليه، أخذوا يتحدثون عن فضائلها، وعن طيب معاشرتها وحسن جوارها. وكنت أصغي إلى شهاداتهم فأشعر أن خالتي لم تترك في بيتها وحده فراغا، وإنما تركت في محيطها أثرا من الخير. وما أكرم الإنسان حين يصبح ذكره الجميل على ألسنة جيرانه بعض ما يواسي أهله، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم فيمن أثنى الناس عليه خيرا: ( وجبت )، ثم بين أن المؤمنين شهداء الله في الأرض وليس في ذلك حكم منا بمصير أحد، وإنما فيه ما يفتح للقلب باب الرجاء حين يسمع من الناس شهادة طيبة فيمن أحب.
وللمقابر في نفسي حكاية أخرى مع السكينة، يوم مات والدي رحمه الله، ووصلت إلى المقبرة، نظرت إلى قبره الذي حُفر تحت قدمي أمه، جدتي رحمها الله. كان المشهد مؤثرا على نحو لا أستطيع تفسيره، الرجل الذي خرج من رحم أمه، وعاش عمرا من الكد والتعب، عاد في آخر رحلته ليستقر قريبا منها، كأن الأرض أعادت ترتيب القرابة على صورتها الأولى. توفي والدي فجر آخر جمعة من رمضان، فبقي لذلك الفجر في نفسي معنى خاص، لا لأنني أعلم ما قضى الله له عنده، فذلك غيب لا يعلمه سواه، وإنما لأن للقلوب إشاراتها التي تتعزى بها، وللأزمنة في ذاكرة المحبين ظلالا لا تزول.
أما #خالتي، فقد شاء الله أن يكون قبرها تحت شجرة الصنوبر، فوق ربوة تطل على البحر، ما إن وقفت هناك حتى استيقظ في خاطري مشهد آخر من مشاهد السيرة النبوية، بيعة #الرضوان، يوم بايع الصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت الشجرة، فنزل فيهم قوله تعالى ( لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ) لم تكن شجرة الصنوبر تلك شجرة الرضوان، ولا للمكان حكم يتجاوز ما جعله الله له، غير أن الذاكرة حين تكون مغمورة بالحزن تستدعي من القرآن ما يفتح لها نوافذ الطمأنينة، لقد ذكرتني الشجرة بذلك المشهد المبارك، فتعلقت نفسي بمعنى الرضوان، وسألت الله أن يجعل لخالتي نصيبا من رضاه ورحمته، كان البحر أمام الربوة، ذلك البحر الذي قضيت شطرًا طويلًا من عمري أقرأ تغيراته وأصغي إلى أمواجه، حاضرا في مشهد الوداع، ولأول مرة شعرت أن البحر الذي طالما حملني بعيدا عن البر صار شاهدا صامتا على عودتنا جميعا إلى التراب، كم عبرت من مياهه، وكم رأيت من فجر يولد على صفحته، وكم ظننت أنني أعرف شيئا من أسرار الرحيل، لكنني لَمَّا وقفت عند قبر خالتي أدركت أن أبعد الرحلات ليس ما تقطعه السفن، وإنما تلك الرحلة التي يمضي فيها الأحبة إلى عالم لا نملك أن نلحق بهم إليه إلا حين يحين أجلنا، رحلت خالتي في الثلث الأخير من الليل، صبيحة الاثنين، في ساعة يأنس فيها المؤمن بذكر الله والدعاء، ويستحضر ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم من فضل ذلك الوقت، حين ينادي ربنا، على الوجه اللائق بجلاله، من يدعوه فيستجيب له، ومن يستغفره فيغفر له، فوجدت في موافقة رحيلها لذلك الوقت ما يبعث في نفسي الرجاء، دون أن أجعل من الساعة دليلا على منزلة لا يعلمها إلا الله.
ثم جاءت أول ليلة لها في قبرها وكان القمر قد ظهر في تزامنا مع مغرب أمس، وقد مضت أيام اكتماله وبدأ نوره ينقص شيئا فشيئًا. نظرت إليه، فإذا هو يذكّرني بما نغفل عنه ونحن مشغولون بحساب الأيام، أن كل تمام في هذه الدنيا يعقبه نقصان، وأن البقاء لله وحده. ولم أجد في ذلك المشهد نذيرا ولا علامة على مصير، وإنما وجدته صورة من صور المواساة التي يمنحها التأمل للإنسان. كان القمر يمضي في منازله، والبحر يواصل مده وجزره، والصنوبر قائما فوق ربوة، فيما كانت خالتي تقضي ليلتها الأولى في عالم البرزخ، أحسست أن الكون كله يمضي في طاعته لسنن الله، وأن علينا نحن أيضا أن نتعلم كيف نسلم لما لا نملك تغييره.
وقد وجدتني أستحضر، وأنا أتأمل معنى الأمومة بعد رحيلها، قصيدة الشاعر الحبيب حسين العبدالله ، سفير من قلب أمي، ولا سيما ذلك النداء الموجع الذي يجعل ذكر الأم ملاذا من تعب الطريق ( أمي تعالَ بذكرها ننْسَ الهمومَ فذكرُ أمي - يا سميرُ - سميرُ ).
فما أكثر ما تصنعه الأم في حياة أبنائها دون أن تنتظر اعترافا، وما أعظم ما تتركه حين ترحل، إنها لا تغادر البيت وحده، تغادر معه طريقة مخصوصة في النداء، ودفئا كان يسكن التفاصيل، وطمأنينة كانت تأتي من مجرد العلم بأنها هناك.
وقد كانت خالتي بالنسبة إلى بناتها هذا المعنى كله، وكانت بالنسبة إليَّ #أُمًّا عرفت حنانها قبل أن أفهم لغتها وما زلت أذكر كيف كانت تناديني #محمد_سَعيدِنُو، فأفهم من نبرتها ما لم أكن أفهمه من الأمازيغية، وهذا الصباح وأنا أستعيد ذلك الصوت، شعرت أن بعض الكلمات لا تموت بموت أصحابها، وإنما تتحول في القلب إلى مواضع للحنين، ولعل أشد ما يؤلمني في رحيلها أنني كلما استعدت صورتها وجدتها حية في التفاصيل: في وصيتها لابنتها أن تعود إليَّ حين أصبت في ركبتي، وفي عنايتها بعمي، وفي ضحكتها بين بناتها، وفي صلاتها وذكرها، وفي شهادات الجيران لها، وفي ذلك النور الذي رأيته على وجهها أول مرة فهذه الأشياء البسيطة هي التي تصنع سيرة الإنسان الحقيقية، فليس كل من عاش طويلا ترك أثرا عميقا، وليس كل من غادر الدنيا غادر قلوب أهلها. وقد علمني هذا الفقد أن السكينة لا تعني أن يزول الحزن، وإنما أن يجد الحزن مكانا إلى جواره للرضا والرجاء. وأن المؤمن يستطيع أن يبكي من يحب، وأن يشتاق إليه، وأن يضيق صدره بغيابه، ثم يرفع رأسه إلى السماء وهو يقول ( إنا لله وإنا إليه راجعون ).
رحم الله والدي الذي استقر قريبا من أمه، ورحم جدتي التي سبقت إليه، ورحم خالتي التي أودعناها تحت الصفصاف المطل على البحر، اللهم اجعل قبورهم نورا وسعة، وآنس وحشتهم، وأكرم نزلهم، واجمعنا بهم في دار لا فراق فيها ولا مرض ولا وجع.
وأما عمي الذي فقد رفيقة عمره، فأسأل الله أن يربط على قلبه، وأن يجعل في بناته وأهله سلوة له، وأن يبقي له من آثار مودتها ما يخفف عنه وحشة المكان فإن أصعب ما يواجهه من فقد شريك عمره ليس يوم الجنازة وحده، وإنما تلك الأيام التي تعود فيها الحياة إلى عادتها، ثم يلتفت إلى موضع ألف فيه وجها وصوتا، فلا يجد إلا الذكرى. وأما بناتها السبع ( #رفيقة، #فدوى، #هناء، #ربيحة، #نجيمة، #حنان، و #هدى ) وولديها ( #محمد، و #مسلم )، فليحفظوا من أمهن ذلك الميراث الذي لا يقسمه وارث ولا تنقصه الأيام، رحمتها، وصلاتها، ووفاءها، وحسن عشرتها. وليجعلهم من وصاياها حياة تتجدد في بيوتهن، فإن أجمل ما نًبِرُّ به موتانا أن يظل الخير الذي علمونا إياه حيّا فينا.
أما أنا سأبقى كلما تذكرت قبرها فوق تلك الربوة، وشجرة الصنوبر التي تظلله، والبحر الذي يمتد أمامه، أذكر أن الله جعل في هذه الدنيا من أسباب المواساة ما لا يخطر لنا على بال، قبرا قريبا من قبر أم، وشجرة تستدعي آية الرضوان، وثلثا أخيرا من الليل يوقظ الرجاء، وقمرا يعلمنا معنى الزوال، وجارا يشهد بخير، وكلمة من صديق تفتح باب الدعاء، ولعل أبلغ ما تركته خالتي في قلبي أنها، قبل رحيلها بأيام، كانت تفكر في راحتي وأنا أمشي على ثلاث، ثم مضت إلى ربها، وتركتني أمشي في ذكراها بقلب يتعثر كلما سمع اسمها.
سلام على روحها في رحمة الله، وسلام على تلك المودة التي لم يقطعها الموت من قلوبنا.
مع خالص الشكر وعظيم الامتنان لكل من واسانا في مصابنا بوفاة أمنا الغالية والدة زوجتي، رحمها الله وأسكنها فسيح جناته..
#محمد_سعيد_المقدم
#مجتمع
#مجتمع_عام

25