وصية الحساني لمعايشة المعاني..
أول مجلسٍ حضرته للأستاذ الحساني حسن عبد الله – رحمه الله – شكوتُ إليه صعوبة التماس المعاني العظيمة، وإذا زارتني مرةً بعد مرة صعُب عليَّ إخراجها والتعبير عنها، فأوصاني بمعايشة «لسان العرب» وجعل قراءته وردًا ثابتًا، قراءةَ تَمعُّنٍ لا قراءةَ جَرْد، فتكون صورتها: قراءة المفردة الواحدة وما جاء فيها، ثم تقليبها في النفس ومحاولة لمسها كأنها جثة محسوسة. فالمعاني العظيمة تحتاج إلى ألفاظٍ عظيمة تقوم بها وتحملها – أقول ألفاظ عظيمة لا مُبهرجة –، واللفظة العظيمة لا يتأتى معناها إلا وقد قلَّبتها في نفسك واستشعرتها حتى تُغرَس بداخلك. وإنه ليرتجى لمن يفعل هذا أن يكون رجلًا عظيمًا!
ولو أن هناك مِربطًا واحدًا يربط زمام وِرد القراءة، لكان: المعاني العظيمة. فالمعنى العظيم هو الذي يبقى أثره في تركيب النفس، ويقودها إلى الأمور العظيمة. وشعرتُ بهذا في نفسي، وكنتُ قد أوردتُ ديوان الأستاذ الحساني الأول الذي كتبه في شبابه: «عِفْتُ سكون النَّار»؛ وهو ديوان، رغم قيمته الفنية العالية، إلا أن فيه ضعفًا في معانيه. لا أقصد ضعف المعنى التعبيري، وإنما أقصد المعنى النَّفسي؛ فوجدتُ أثر هذا عليَّ من انقباع في الذات، وانتظارٍ للعون والسَّنَد، واهتياجٍ للعاطفة من حيث لا أريد، فتركته إلى ديوانه الثاني «من وحي الوافر»، وكان الأستاذ قد اشتدَّ عُودُه، وسمَتْ رُوحُه، وارتفعت جبهته، وطال أنفُه، فأمسى يعمل بمهمة الأديب التي تجب، وهي مهمة «القيادة» وما فيها من «تأثير» و«حشد» و«دفع»، حتى إنه امتطى العَرُوض، وأمسك لجامه، وتملَّكه، واستأسره [من الأسر، أي أخذه أسيرًا]؛ فبارتفاع نفسه عن الأرض ارتفع قريضه عمَّا سواه من الشِّعر، وبامتلاكه ناصية نفسِه امتلك ناصية المعنى. وكان له أثرٌ في نفسي، فشعرتُ بأنه يرفعني معه، وشعرتُ من نفسي ارتفاعًا عن سَوْآت الأرض.
الشاهد.. أن تختار قوة الوِرد من حيث المعنى التركيبي والمعنى النفسي؛ والأخيرة لن تكون إلا بالأولى وزيادة.
#موميه
11 مشاهدة