حدث في مثل هذا اليوم /23 اكتوبر1541 (خيبة شارلكان)
تتأنق الإمبراطوريات عادة بعباءة العظمة والهيبة، وتتبجح بأساطيلها التي تستعمر الآفاق، لكنها حين تصطدم بصخرة الحق، قد تتحول كل تلك الغطرسة في لحظة فارقة إلى مشهد كوميدي يتوج برمي التاج في القاع، والفرار بجلد يغطيه الوحل
هذا تماما ما شهدته أسوار الجزائر في الثالث والعشرين من أكتوبر عام 1541، حين قرر الإمبراطور شارلكان أن ينهي ما سماه الصداع الجزائري في المتوسط، جن جنون الرجل، فحشد أسطولا مرعبا تجاوز خمسمائة سفينة حربية محملة بأكثر من أربعة وعشرين ألفا من فرسان الملاقطة وإنكشارية أوروبا وصفوة قادتها، ظانا أن المسألة لا تعدو كونها نزهة بحرية يطوي فيها المحروسة في جيبه، ويعود حاملا مفاتيحها إلى مدريد
لكن الحسابات الوردية على الخرائط الفاخرة، تصطدم دائما بالواقع الصلب حين تطأ أقدام الغزاة أرض الجزائر
عندما نزل الغزاة على شواطئ الحامة والحراش بثقلهم ومدافعهم، لم يكن ينتظرهم سوى حامية صغيرة لا تتعدى ستة آلاف مقاتل بقيادة البطل حسن آغا، أرسل الإمبراطور رسالة استعلاء يطلب فيها الاستسلام الفوري، فجاءه الرد الذي يليق بأهل الدار، لتكتمل لوحة المشهد بتمرد الطبيعة نفسها
إذ هبت ليلة الرابع والعشرين عاصفة بحرية طوفانية عاتية، فصارت الأمواج تتلاعب بأسطول شارلكان وتدق سفنه على الصخور دكا، وابتل بارود المدافع الأوروبية ليتحول إلى عجين لا يضر ولا ينفع، وفي غمرة تلك الحيرة والاستحمام الإجباري للجيش الإمبراطوري، فتحت المحروسة أبوابها، وخرج المقاتلون الجزائريون في هجوم صاعق، تحولت معه أزقة العاصمة وشواطئها إلى مصيدة حقيقية تمرغ فيها كبرياء الغزاة
أمام هذا الكابوس المدوي، لم يجد شارلكان بديلا عن الفرار بجلد من تبقى من رجاله نحو تامنفوست، وتقول الروايات إن الإمبراطور بلغ به اليأس والغيظ أن نزع تاجه الفاخر ورشقه في أعماق المتوسط قائلا، أيها البحر إذا كنت قد التهمت جيشي وأسطولي فخذ تاجي أيضا
تلك كانت المحروسة حين علمت أوروبا كيف تتهاوى الألقاب الإمبراطورية عند عتبات ديارنا، لتتحول الحملة المظفرة إلى أضحوكة التاريخ، وتبقى سيادة الجزائر على البحر ساطعة لثلاثة قرون متتالية
وهكذا تطوى صفحة أخرى من ذاكرتنا العربية، لتؤكد أن استحضار الماضي ليس مجرد نبش في الأوراق، بل هو وقوف واع عند محطات صاغت حاضرنا في الفكر والأدب والسياسة والاجتماع، فنحن لا نلتقط من الأيام مجرد أرقام وتواريخ، بل نستحضر المفارق الحية التي تتقاطع مع واقعنا الراهن، وتفرض نفسها على جدول أفكارنا اليوم
فأي محطة عربية فارقة تخبئها لنا الأيام القادمة لنفك شفرتها معا، نلتقي في الحدث القادم لنواصل القراءة والتبحر ضمن سلسلتنا حدث في مثل هذا اليوم
هشام بلعروي الجزائري
@المتابعون
#مجتمع #تاريخ #حدث_في_مثل_هذا_اليوم #أدب #مجتمع_عام #لآلئ_مجتمع #Hichem_belaroui #ترانيم_الحروف

45 مشاهدة
