حدث في مثل هذا اليوم 22اكتوبر 1956. اول قرصنة جوية في التاريخ_الخديعة الفرنسية التي أشعلت جمر الثورة
تتأنق الدول عادة بملابس الدبلوماسية وتتباهى برعاية المواثيق الدولية لكنها حين تضيق بها سبل المواجهة وتفلس في ميدان المعركة قد تتخلى عن كل تلك المساحيق الفاخرة لتسلك بكل بساطة وخفة درب قطاع الطرق
هذا تماماً ما حدث في خريف عام 1956 حين قررت فرنسا أن تخوض أحدث مغامراتها الاستعمارية في الجو فبدل أن تواجه أبطال الميدان في ساحات الوغى أرسلت مقاتلاتها الحربية في عرض السماء لتعترض طائرة مدنية بسيطة ظانة بجهل غريب أن الوطن يمكن اختزاله في وثيقة أو أن بركان شعب بأكمله يمكن اعتماده داخل حقيبة
كانت الطائرة التابعة لطيران الأطلس المغربي قد أقلعت من الرباط قاصدة تونس وعلى متنها القادة الخمسة أحمد بن بلة ومحمد بوضياف وحسين آيت أحمد ومحمد خيضر والمفكر مصطفى الأشرف يرافقهم جمع من الصحافيين الدوليين لحضور مؤتمر مغاربي لبحث حلول سلمية ولتجنب أجوائنا المحتلة عبرت الطائرة فوق بالما دي مايوركا غير أن استخبارات الاحتلال ترصدت للرحلة وفي عرض المتوسط هددت المقاتلات الحربية بإسقاط الطائرة ومارست القرصنة جهاراً لتجبر قائدها على النزول في مطار العاصمة
في تلك الساعة فركت قيادة الاستعمار أيديها بفرح طفولي ساذج وظن الجنرال لاكوست وحكومته أنهم بهذه الخطفة الفاخرة قد خنقوا الكفاح المسلح وأن الجمر سيتحول إلى رماد لمجرد إغلاق الزنزانة على القادة
لكن ما خفي على عقول جنرالات باريس هو ذاك السر العجيب الذي جهلوا شفرته السر الذي اختصره الشهيد العربي بن مهيدي في عبارته الخالدة ألقوا بالثورة إلى الشارع سيحتضنها الشعب
فبدل أن تخمد الجذوة باحتجاز رموزها أفاقت باريس على كابوس مدو إذ اكتشفت أن الثورة لم تكن حركة تدار بأيدي نفير معدودين يمكن تحييدهم بل كانت طوفاناً شعبياً عارماً لا تسعه المعتقلات اشتعلت الأرض تحت أقدام الغزاة وتواترت ضربات جيش التحرير وانكشفت سوءة الدبلوماسية الفرنسية أمام العالم كأول دولة ترتكب جريمة قرصنة جوية مدنية مما أسرع بتدويل قضيتنا في محافل الأمم وتعرية ادعاءات فرنسا الحضارية
وخرج القائد كريم بلقاسم ببيانه الصارم ليصفع أوهام باريس ويذكرهم بأصل النبأ الثورة متجذرة في أعماق الشعب ولا تموت بأسر الرجال
وهكذا تطوى صفحة أخرى من ذاكرتنا العربية لتؤكد أن استحضار الماضي ليس مجرد نبش في الأوراق بل هو وقوف واع عند محطات صاغت حاضرنا في الفكر والأدب والسياسة والاجتماع فنحن لا نلتقط من الأيام مجرد أرقام وتواريخ بل نستحضر المفارق الحية التي تتقاطع مع واقعنا الراهن وتفرض نفسها على جدول أفكارنا اليوم
فأي محطة عربية فارقة تخبئها لنا الأيام القادمة لنفك شفرتها معا نلتقي في الحدث القادم لنواصل القراءة والتبحر ضمن سلسلتنا حدث في مثل هذا اليوم
هشام بلعروي الجزائري
.
#مجتمع #تاريخ #حدث_في_مثل_هذا_اليوم #أدب #مجتمع_عام #لآلئ_مجتمع #Hichem_belaroui #ترانيم_الحروف

33 مشاهدة