شتاء عاشق وحيد
قبل المواعيد كان الريح والسفرُ
وعاشقٌ يجلد الأمطار ينتظرُ
أطال في الشوق فابتلّت مواجعهُ
طوى الحنين كما يُطوى له القدرُ
أوحى له الحبّ أن يخطو إلى امرأةٍ
سمراء تشعل أقمارًا وتختصرُ
مشى فأنّ فضلت خطوتان.. بكى
ألقى مظلّته واقتاته الخطرُ
هوى على الشكّ طفلًا أفلتتهُ يدٌ
فظلّ يخفي يدًا بالخوف تنتحرُ
مضى إليها وعيناه انتهاء مدى
وصوته يأسه في الروح يعتصرُ
دنت إليهِ، وفي أثوابها عبقٌ
من خيبتين، وعطرٌ خانَهُ الزهرُ
قالت: "تأخرتَ.. هل في الدربِ من تعبٍ؟"
قال: "الطريقُ غبارٌ، واللقا مطرُ"
دنتْ.. فكادَ رصيفُ الوقتِ يلفظُهُ
وكادَ من رقةِ الأنفاسِ ينفطرُ
أغرتْهُ بالضوءِ، حين الشمس ضيّعها
وضجّ في قلبهِ منفى ومستقرُ
لم ينطقا.. أنّ صمت الأرض من وجعٍ
والقلب يقرأُ ما لا يقرأُ البصرُ
خافا على الحبِّ من مَسِّ الحقيقةِ، في
وهمِ اللقاءِ، ضياعٌ ليسَ يُختصرُ
كأنّما القربُ سكينٌ، وحبّهما
قربانُ ذبحٍ، تضيقُ بنزفهِ جزرُ
ظنا بأنّ المدى طوعُ اشتياقهما
وأنّ حلمهما لن يكسرَ القدرُ
لكنّ صوتاً من الأعماقِ حاصرهُ
إنّ الأماني سرابٌ، مالهُ أثرُ
خافا من الحب، والأشواقُ عاصفةٌ
والخوفُ وحشٌ بصدر الحبِّ يستعرُ
كلاهما أبصرَ المنفى بمقلتهِ
فأظلمَ الفجرُ، واستولى بهِ الكدرُ
على المرايا شظايا من ملامحهِ
وفي الزوايا بقايا العمر تندحرُ
توقفا.. والمدى سدٌّ، وبينهما
صمتُ الذهولِ، وحلمٌ زائفٌ نضِرُ
تنهدا ومضى كلٌّ بحسرتهِ
لم يرجعا أبداً.. لم يصدقِ المطرُ
#