فتاة التمدين
جاءَتْ تَميسُ كَـأنَّها تَتَهَيَّبُ ... وبِمَظهرِ التَّمدينِ دَوْماً تَلعَبُ
تَمشي على طَرفِ الحِذاءِ تَكَبُّراً ... والشَّعرُ مِثلَ الغابِ دَوْماً يُنصَبُ
دَخَلتْ لِمَقهىً قَدْ تَـأَلَّقَ نُورُهُ ... لِتُرِيَ جَمْعَ النَّاسِ كَيفَ تُرَتَّبُ
جَلستْ تُقلِّبُ طَرفَها في مَوكِبٍ ... وَكَأنَّها لِلعرشِ حَقّاً تُخطَبُ
نادَتْ على ذَاكَ الموظفِ جَهْرةً ... لَبَّى السُّؤالَ، وفي يَديهِ المَكتَبُ
قالَ: "انطِقي مَاذا تَرومُ جَلالةٌ؟" ... فَأجابتِ الحَسناءُ: "شَيءٌ أغرَبُ"
"آيسْ" يُخالِطُ "هوتَ شُوكليتٍ" لَنا ... فَهو الذي في ناظِريَّ مُحبَّبُ!
بَقِيَ الموظفُ واجِماً في حَيْرةٍ ... والعَقلُ مِنهُ طَارَ بَلْ يَتغيَّبُ
قَالَ: "اعيدي يَا فتاةُ مَقالةً ... فَاللَّحنُ عِندي في المَسامِعِ يَشْغَبُ"
"آيْسٌ" وَ"هُوتٌ"؟ كَيفَ يَجتمعانِ فِي ... كُوبٍ؟ وهَذا في المَنطِقِ أصعبُ!"
"نَارٌ تَلظَّى مَعْ جَليدٍ بَاردٍ؟ ... هَلْ كُنتِ في دَرسِ العُلومِ تَلعَبُ؟"
نَظرتْ إليهِ بِقسوةٍ وتَأفُّفٍ ... وقَضتْ بِـأنَّ غَباءَهُ لا يُعصَبُ
قَالتْ: "تلكَ ثقافةٌ مَشهورةٌ ... عِندَ الرُّقاةِ، وأنتَ جِلْفٌ تَعطَبُ"
"هَذي فُنونُ الغَربِ جِئْتُ بِذِكْرِها ... فَالجَهلُ عارٌ، والتَّمدُّنُ مَطْلَبُ"
"اصْنَعْ لِيَ الشُّوكليتَ يَغلي نَارُهُ ... وأضِفْ جَليداً، لَستُ مِمَّنْ يَكذبُ"
حَكَّ الموظفُ رَأسَهُ في دَهْشةٍ ... ومَضى يُلبِّي مَا أرادتْ، يَعْجَبُ
سَكَبَ الحَميمَ على الثُّلوجِ بِـآلةٍ ... حتَّى استحالَ الكُوبُ طِيناً يَرْسُبُ
قَدَّمْتُهُ لَها، فَارتشفتْ قَطرةً ... فَتغيَّرَ الوَجهُ المَليحُ الأرْيَبُ
غَصَّتْ، ورَاحَ الكِبرُ يَهبطُ سَريعاً ... بَعدَ "الحَضارةِ" والمَقامُ يُقَلَّبُ
فَمضتْ تُغادرُ والمكانُ يَضجُّ مِنْ ... ضَحِكٍ، وعَينُ النَّاسِ فِيهِ تَرْقُبُ
يا نَاشِدَ التَّمدينِ دُونَ بَصيرةٍ ... إنَّ التَّصنُّعَ في النِّهايةِ يَتعبُ!
#