من الأشعار المُنجية:
سمعت عن خبر شاعرٍ من أهل سجن تدمر ، أيَّام كان "المقبور حافظ الأسد" ينفث سمومه ويخنق البلاد، كما الأفعى تلتف حول عصى، وينشر في الأرض الفساد!
فكتب شاعرنا في زنزانته أبياتًا، ينهش بها فريسته، مخمداً بها غليله _وما تُنشَدُ الأشعار إلا تداويا_ يقول فيها:
يقينًا حافظ الأسد
عدوُّ الحقِّ والرَّشد
عليه اللعنةُ الكبرى
وبِئس مصيره الأبدي
فإذا بوشاةٍ –حملوا على عاتقهم أمانة نقلها(:_ يحملونها إلى الجلاد كما تُحمل الورود إلى الأحبة؛ وما دروا أنهم التقطوا جمرة تحرقهم بما كسبت أيديهم!
فلمَّا نُودي الشاعر وأُحضر_وسبحان جاعل الحجة في الخصم، وجالب الحق لصاحبه في الخصام_ لم يحالف الحظ الواشي فكان (فاهماً غير حافظ) فعدل الشاعرُ الأبيات بعينها، ملبساً ثيابها غيرها؛ مبدلاً السهام بذات الأزهار، فصارت كما يفرق بين الليل والنهار؛ فقلب السحر على السحرة، كما فعل نبي الله موسى مع الكفرة؛ وصيَّر اللعنة على الوشاة وأعاب، وأنزل بهم شر عقاب، فقال:
يقينًا حافظ الأسد
إمامُ الحقِّ والرَّشد
عليه الرحمةُ العظمى
ونِعْمَ مصيره الأبدي
▫️ولعل هذا من أعجب ما يكون من انقلاب الدلالة؛ إذ لم يبدِّل الشاعر لفظًا بأجنبيٍّ عن وزنه عند القوم، ولا خرج عن ترتيب قوافيه في ذلك اليوم؛ ولكنَّه قلب أقطابَ المعنى قلبَ السحر على الساحر، فصار الخصمُ شاهداً ببراءته فاخر؛ جالساً في صدر المكان، يحوطه الجنود والأعوان؛ كلٌّ في جماعته ومقامه، سيد زمانه ومكانه؛ كما حدث في شعرٍ قُلِعت عيناه فأبصر، وأضيء به المجلس والسمر؛ فرجع إلى قومه في زينته، مختالاً في مشيته؛ إذ أعجب النقيب شعره وخطابه، وسرعة بديهته وأدبه وجوابه!
📌وكنتُ إذا ذكرت هذه الحيلة، مُعرِّفةً أن البلاغة ليست في إبانة كل ما يراد عنه إبانة، ولكن أن تقول ما يقيك في مآله، مما لا يكون حينها أوانه؛ فيفهمه مَن يفهمه _من الفساق_ دون إشراك وإرهاق، ويأخذه مَن يأخذه _من الأعلام_على صورةٍ تنأى بك عن مسح السوق والأعناق.
▫️فيكون لسانك كالسيف ذي الحدَّين في الحالين بتَّارُ: يقطع هذا إذا أشهرته، وذاك إذا أغمدتَه.
بيان نادر
#شعر #مجتمع #قصيد #رمضان #الواي_فاي#بيان_نادر

51