لشاعر غزي:
الحمد لله الباقي القهار، العزيزِ الغفار، قابض أرواح الأطهار والأشرار، مكوّرِ النهار على الليل ومكور الليل على النهار، أحمده على كلِّ قضائه، ضرّائه وسرائه، وبلوَتِهِ ونَعمائه، قبض إليه أحبّ خلقِه إليّ، فلا زلتُ حامدا مسترجعا حتى يُلحقني به غير مغيّر، وإني على الحمد والرضا لبَكّاءٌ مُتحسِّر، وإني لابنُ سوءٍ إذا لم أبكِهِ ببعض ما هو أهله؛ أقول:
نهيْتُ نفسيَ عن غيٍّ فما انتَهَتِ
وكلما رُدِعَتْ عن غيّها طَغَتِ
قد غرّها أملٌ غُرّتْ به أُمَمٌ
من قبلها فتمادتْ ثمَّ أُهلِكَتِ
قد تُعذَرينَ إذا ما الغيُّ في رغَدٍ
لكنّ عيشكِ في ضيقٍ وفي عَنَتِ
يا نفسُ إنْ لا تَرَيْ ما تهتدين بهِ
غُبِنتِ حظَّكِ في أولى وآخرةِ
يا نفسُ ويحكِ ما لهوٌ وما لعبٌ!
إنّ المنيَّةَ قد أبصرتُها دنَتِ
يا نفسُ لو فاتَ سهمُ المَوتِ ذا نفَسٍ
لفات ذا المجدِ لكنْ صابَ لم يفُتِ
قد ماتَ ذو المجد والإحسانِ فانتحبي
يا بنتَ سالمَ وادعي كلَّ نائحةِ
تنُحْ على جبلٍ قد ضُمَّ في جدَثٍ
لو تعرِفَنْهُ رِمالُ الأرضِ لاستَحَتِ
من أن يُلَفَّ بها قَرمٌ وتدفنَهُ،
أبو محمَّدٍ المدفونُ لو وَعَتِ!
وما انقضى عجبي مذ أن قضى ومضى
أنّى يموتُ وأحيا بعدُ لم أمُتِ
والأرضُ ما خُسِفَت والشمسُ ما انطفأتْ
والأنجمُ الزُّهرُ حُزنًا بعدُ ما هوَتِ
ما ماتَ إلا وقولُ العارفين بهِ
أنْ ليتهم قد جنَوا ما نفسُهُ جَنَتِ
حُلوُ الشمائل سمحُ الوجهِ نيِّرُهُ
مبسوطُ كفٍّ لدى الإملاقِ والسَّعَةِ
يُعطي رجاءَ رضا المولى ورحمتِه
لم يرتقب مدحَ عبدٍ أو ثَنا أَمَةِ
مقصودُ ذي حَزَنٍ منشودُ ذي كُرَبٍ
غوثُ العواجِزِ من ثكلى وأرملةِ
وَرّادُ كلِّ سبيلٍ فيه منفعةٌ
للخَلقِ، مقتحِمٌ في كلِّ مكرُمةِ
لا عَيبَ فيهِ، ولا يُشكى بِمَثلَبَةِ
غيرَ اَنَّهُ طَمِعٌ في كلِّ مَنقَبةِ
ما شرَّفتهُ سِماتُ الفضلِ بل كرُمَتْ
بهِ المَكارمُ والأخلاقُ شُرِّفَتِ
عَفُّ السرائرِ ذو حِلْمٍ وذو حِكَمٍ
لكنْ لهُ غضبةٌ تُزري بكلِّ أَتِي
إن تدعُهُ ووطيسُ الحربِ محتدِمٌ
يثِبْ إليها ولا يركَنْ إلى الدَّعَةِ
مَن يفتخر بغنى أو سلطةٍ فلقد
أغنى انتسابي له عن كلِّ مَفخرةِ
نفسي فداءُ طلالِ الخيرِ لو صلُحَتْ
نفسي فداءً لنفسٍ حازها عَلَتِ
يا خيرَ مُمتدَحٍ من شرِّ مُمتدِحٍ،
لو المدائحُ طُرًّا فيكَ ما كَفَتِ
قد كان قبلَ نواكَ الحزنُ في شعَثٍ
في غدرِ صاحبٍ اَو في خُلَّةٍ نأَتِ
حتى تجمّعَ في فَقدِيكَ مكتملا،
وكلَّ ناءٍ سِواكَ النفسُ قد سَلَتِ
صلى عليك إلهُ الكون ما ذرَفت
عينٌ وما صُدِعَتْ كِبْدٌ وحُرِّقَتِ
إنْ بِنْتَ عنّي فذي ذكراكَ باقيةٌ
أو مُتَّ فالحسناتُ الغرُّ لم تمُتِ
- عبدالله طلال.