الفقد
ثمةَ لحظةٌ لا يلتفتُ إليها المُعزُّونَ وهم يُربتونَ على الأكتافِ بكلماتٍ محفوظة، ولا تراهَا العيونُ التي غشِيَها دمعٌ عابر؛ إذ يرحلونَ جميعـًا قُبيلَ شروعِ تلك اللحظةِ في بسطِ سلطانِها الحقيقي، هم جاؤوا ليواروا الجسدَ ثرى الأرض، أمَّا الفقدُ فينتظرُ حتَّى تُغلقَ الأبواب، حتَّى تنطفئَ الأضواء، حتَّى يسكُنَ الضجيجُ الذي خلَّفَهُ الغرباء، ليتسلَّلَ من مكمنِهِ كوحشٍ كانَ يصطبرُ على جوعِهِ طيلةَ النَّهار. في تلكَ الهُنيهة، يتجلَّى البيتُ بوصفِهِ فجوةً رحبةً تفيضُ بالوحشة، ويغدو الصمتُ فيهِ شيئـاً يمكنُ سماعَه، شيئـاً ثقيلاً يهبطُ على الصدورِ كصخرةٍ ملتهبة. تتناثرُ ملامحُ الفاجعةِ فوقَ تفاصيلِ الأثاث؛ فثمةَ كتابٌ استقرَّ مفتوحـاً عند صفحةٍ ستبقى في عُهدةِ الانتظار، وهناك نظَّارةٌ تغفو فوقَ الطاولةِ كعينينِ أضناهُما السهرُ في ترقُّبِ صاحبِهِما. تبدو الأشياءُ مستقرةً في مواضعها تمامـًا، إلَّا الإنسانُ الذي كان يمنحُ هذه الاشياءَ معناها.
تتجسدُ قسوةُ الأشياءِ في لحظةِ تخلِّي أصحابِهَا عنها، فيغدو ذاكَ القميصُ المنسدلُ خلفَ البابِ كيانـًا يتجاوزُ حدودَ كينونتِه؛ ليصبحَ طيفـًا شاخصـًا في العتمة، مستمسكـًا بانحناءةِ الكتفين، وحافظـًا لرائحةِ الأيَّامِ العالقةِ بينَ ثنايا خيوطِه. وذاكَ الحذاءُ القابعُ قربَ السرير، يستقرُ ككائنٍ أعياهُ المسير، يترقَّبُ قدمـًا لن تمتدَ إليهِ مرةً أخرى. وتلكَ الرائحةُ التي تخترقُ قلوبَنا المنهكة، تستحضرُ الغائبَ بكاملِ هيئتِه؛ رنينِ صوتِه، وصدى ضحكتِه، ووقعِ خطاه، ودفءِ كفِّه الحانية. ولثانيةٍ يتيمة، يخيَّلُ إلينا أنَّهم يشاركُوننا المكان، قريبون إلى حدِّ الوجع، وما نلبثُ إلَّا أن نجدَ أنفسنا نعانقُ الهواء.
هكذا تتحولُ التفاصيلُ الصغيرةُ إلى مرايا تعكسُ تمامَ انكسارِنا وهشاشةَ وجودِنا؛ فالفقدُ يغرسُ فينا الموتَ على هيئةِ طعناتٍ متتابعة، فيبثُّ سمَّهُ الهادئَ عبرَ تلكَ التفاصيلِ الصغيرةِ التي غابت عن أبصارِنَا في صخبِ الحياةِ، وحالمـا نتحسسُ تلك التفاصل، يغمرُنَا يقينٌ بأنَّ الغائبَ يسكنُ الجِوار، وأنَّهُ سيطلُّ بعدَ لحظاتٍ من حجرتِهِ معتذرًا عن هذا الغيابِ الطويل، ولكنَّ الدقيقةَ تمر، ثمَّ التي تليها، ولا يحدثُ شيءٌ سوى اتساعِ الفراغِ في أرواحِنا.
(للحديث بقية)
#مجتمع #شعر #قصيد #همام_صادق_عثمان #حمدي_الروبي #رمضان
9