مَرْثيةُ المعنَى
خَرَّ البيانُ صَريعًا ما لهُ سَبَبُ
وغالَ شمسَ القوافي الغَيمُ والحُجُبُ
ماتَ الشُّعورُ فلا نَبضٌ ولا خَلَجٌ
واستَوحشَ اللَّفظُ إذ لم يُبقِهِ أدبُ
كأنّما الشِّعرُ جِسْمٌ غادَرَتهُ رُؤًى
أضحَى الرَّمادَ الذي أودَى بهِ اللَّهبُ
تَسَوَّرَ المجدَ أقزامٌ بلا شَرَفٍ
وضاعَ بينَ الرُّكامِ الماسُ والذَّهبُ
واستَنسَرَ الطَّيرُ في أجوائِنا صَلَفًا
فالكُلُّ مُنتصِرٌ والحقُّ مُستَلَبُ
لا تَطلُبوا الشِّعرَ مِن فَحمٍ بلا أَلَقٍ
هل يَستوي في المعاني الرَّأسُ والذَّنَبُ؟
عُذرًا (خليلُ) فلا بحرٌ نَخوضُ بهِ
جَفَّت بُحورُك إذ ماجَت بنا الرِّيَبُ
يا (ضادُ) يا لُغةَ القُرآنِ مَعذِرةً
إن مَسَّ طُهرَكِ مِن جُهّالنا وَصَبُ
دارَ الزَّمانُ على الفُصحى فمزَّقَها
نابُ الرَّكاكَةِ والتَّشويهُ والشَّغَبُ
ساوَوْا حَصى الأرضِ بالياقوتِ مِن سَفَهٍ
فما يُميَّزُ فيه الجِدُّ واللَّعِبُ
ما عادَ للكلِمِ المَسموعِ زَلزَلةٌ
تُدَكُّ مِن هَولِها الأطوادُ والهُضُبُ
إنّ القَريضَ دَمٌ يَجري بأورِدةٍ
وليسَ حِبرًا على الأوراقِ يَنسكِبُ
يَرَونَ أنّ نَظِيمَ الشِّعرِ ثَرثَرةٌ
وإنّما الشِّعرُ نارٌ ليسَ تُقتَرَبُ
بالأمسِ كُنّا نَصوغُ الشِّعرَ مِن ذَهَبٍ
واليومَ جَنَّاتُه بالفَأسِ تُحتَطَبُ
كُنّا مُلوكَ بَيانٍ لا نَظيرَ لنا
وكان يَخشى شَبا أقلامِنا الحِقَبُ
غُرباءُ نحنُ بِعَصرٍ لا مَجازَ بهِ
إلّا التَّصَنُّعُ.. والأذواقُ تَضطَرِبُ
لا خيرَ في نَظْمِ لَفظٍ لا حياةَ بهِ
لو صاغَه الدَّهرُ لم تَفخَر بهِ الكُتُبُ
هَذي حُروفُك يا (ابنَ العُربِ) باكيةٌ
على الطُّلولِ التي أودَى بها العَطَبُ
سأكسِرُ القلمَ المَسنونَ مُعتَزِلًا
ما عادَ يَنفَعُ في هذا المَدى العَتَبُ
حسين العلي