"تمرين على الطيران "
قراءة في كتاب "تمرين على الطيران"
للأديب الشاعر د. محمود البنا
في فضاء هذه النصوص الشاهقة استطاع الشاعر محمود البنا أن يُروّضَ كلماته بمعجزةٍ تتأرجحُ في جنّةٍ ممزوجةٍ باللّامحدود مع إيحاءاتٍ على شاكلة غيثٍ تُحيي عجينةَ الطين التي تُكوّنه، فنجدُ الشاعر في خطواتٍ تسبقه ويسبقها قبل أن يتعثّر، يرتفعُ بعيدا عن واقعهِ، يمكثُ في لُجّةِ الغيمِ، يعبثُ بالذاكرة، يُرتب النسيان، وحين يسقطُ عُروجًا تكتملُ الدائرة.
لذا نتخذُ من أجنحةِ الفراشةِ فَراسَةِ خصائصها المُحلّقةِ فوق مشاعل الدهشة؛ لنُطلّ على الاحتراق من قمّته حتى أخمصِ ذرّةٍ في رماده.. ولا نحترق!!
نشهد المعنى والمبنى.. نشيّد جسرًا يعصمنا من سيلِ الفكرة، ونتخذُ من مقام القراءة صولجانا يُطلقُ جياد التكثيف والتمحيص.
هكذا يَخبُرُ الشاعِرُ الفذُّ أفئدةَ قرّائه، عندما يُزجي سحابة حبرهِ في سماء المُتلقي ويدفعه إلى الطيران..
هو يعلم يقينا أيّ الفَراش يغرف/ يعرف؛ ليختلق، وأيّهُ يُغرّرُ به الحرف؛ ليحترق..!
وفي أثناء السّير على قمم تلك النصوص العالية، يحثّنا الشاعر على التحليق رويدا رويدا أملًا في أن نُمسك سرّ سماء انبثاق حرفه وانبلاج شِعره ..
من هنا نستطيع أن نكتشفَ خيوط فنّ الكتابة وبهلوانية الكاتب في الإتيان بفكرته بطرقٍ مجازيّة تتطرف للخيال والتشبيه، فالقارئ يدرك حقيقةَ الأشياء على طبيعتها ثم يأتي الشاعر ليُغيّر ماهيتها ويسبغ عليها من ألوان بيانه ومجازاته البعيدة كل البعد عن الواقع.
هكذا تبدأ العلاقة بينهما. فإن أدرك القارئ مقاصد الكاتب باتباع السبل الأكثر وعورة للفهم يحدث القبول والحلول في النص بكامل حواسه؛ لأن القارئ في الحقيقة يرى أنّ في سبره هكذا أغوار مُجهِدَة تقديرًا لعقله وذائقته وفكره.
إضافة إلى إشباع رغبة الكاتب في التضليل والتمويه بداعي التشويق والمكوث أطول بين أوردة النص.
ونحن إذ نفتحُ صفحات هذا الكتاب الرائع، نستطيع أن نقول أنّنا نبدأ على قلقٍ حين تجنح بنا الريح حيثُ أرجوحة الوزن والكلمات حتى يستوي بنا الشِّعر على جوديّ النبض الخارج عن المألوف ذاك الذي يبقى هناك عالقا شاخصا بصره وفاغرا فاه إذا ما مرّت به نوارسُ الكلام.
للشاعر الرائع أمنيات الألق والنجاح. 🌹
#ميساء_المومني
#محمود_البنا
#مجتمع

18