مَرثِيَّةُ الرَّمادِ
مَا عَادَ فِي لُغَةِ القَبِيلَةِ مَهْرَبُ
وَالوَقْتُ مِنْ دَمِنَا المُسَافِرِ يَشْرَبُ
قُلْ لِلرِّيَاحِ السَّافِيَاتِ حُظُوظَنَا
إِنَّ الرَّمَادَ عَلَى البَصِيرَةِ أَغْلَبُ
نَمْشِي وَتَحْتَبِسُ السَّمَاءُ دُمُوعَهَا
كِبْرًا، وَبَعْضُ الكِبْرِ سُمٌّ مُرْعِبُ
أَسْرَجْتُ خَيْلَ العَارِفِينَ، وَلَمْ أَزَلْ
أَرْتَادُ مَجْهُولَ المَعَانِي، أَدْأَبُ
عَقِمَتْ كُؤُوسُ الوَهْمِ فِي حَانَاتِنَا
وَنَدِيمُنَا حَدَسُ اليَقِينِ الأَصْعَبُ
يَا لَيْلَةَ الرُّؤْيَا تَوَارَى نَجْمُهَا
هَلْ رَدَّ غَائِبَةَ المَقَاصِدِ غَيْهَبُ؟
كُلُّ الجِهَاتِ تَشَابَهَتْ أَلْوَانُهَا
مَاثَلْتُ شَرْقًا فِي الرُّؤَى يَتَغَرَّبُ
وَبَنَيْتُ مِنْ خَزَفِ المَرَاثِي مَعْبَدِي
فَتَهَشَّمَ المِحْرَابُ، وَهْوَ مُذَهَّبُ
وَسَأَلْتُ دِجْلَةَ كَيْفَ نَامَ فُرَاتُنَا
فَبَكَى النَّخِيلُ الصَّابِرُ المُتَصَلِّبُ
نَحْنُ امْتِدَادُ الخَائِفِينَ مِنَ النَّدَى
حَتَّى جَفَانَا فِي الحَقِيقَةِ مَخْصِبُ
لا العِيسُ تَحْمِلُنَا لِدَارِ مُقَامَةٍ
كَلَّا، وَلا حُلْمُ المُضِيعِ مُقَرَّبُ
كَانَتْ قَوَافِلُنَا تَدُقُّ طُبُولَهَا
وَاليَوْمَ قَافِلَةُ الرَّجَاءِ تُسَلَّبُ
هَذَا صَهِيلُ الأَبْجَدِيَّةِ يَكْتَوِي
بِالنَّارِ، إِذْ قَلْبُ اليَتِيمَةِ يُحْطَبُ
قَمَرٌ تَشَظَّى فِي سَمَاءِ قَصِيدَتِي
فَتَنَاثَرَتْ شُهُبٌ وَغَابَ الكَوْكَبُ
عَاتَبْتُ صَمْتَ الدَّهْرِ فِي مِحْرَابِهِ
فَتَكَلَّمَ التَّارِيخُ، وَهْوَ مُعَصَّبُ
مَا قِيمَةُ الأَسْمَاءِ إِنْ لَمْ تَرْتَوِ
مِنْ نَبْعِهَا رُوحٌ، وَيَصْفُ المَشْرَبُ؟
أَسْرَفْتُ فِي لَغْوِ النَّوَايَا طَامِعًا
أَنْ يُزْهِرَ الجُرْحُ القَدِيمُ المُجْدِبُ
لَكِنَّ قَانُونَ الطَّبِيعَةِ قَاسِيٌ
مَنْ يَزْرَعِ العَدَمَ العَقِيمَ سَيَخْيَبُ
يَا غَارِسِينَ الوَرْدَ فِي أَرْضِ الرَّدَى
حَانَ القِطَافُ فَلَيْتَ شَوْكًا يُسْحَبُ
لا تَنْدُبُوا طَلَلًا تَلاشَى رَسْمُهُ
مَنْ ذَا يُعِيدُ الأَمْسَ حِينَ يُنَدَّبُ؟
إِنِّي أَرَى زَحْفَ السَّرَابِ يُحِيطُ بِي
وَالظَّامِئُونَ إِلَى السَّرَابِ تَوَثَّبُوا
يَتَسَابَقُونَ إِلَى حَتْفِهِمُ بَلَهًا
كَفَرَاشَةٍ تَهْوَى اللَّهِيبَ وَتَرْغَبُ
وَكَأَنَّ أَرْضَ اللهِ قَدْ ضَاقَتْ بِنَا
وَكَأَنَّ أَبْوَابَ الخَلاَصِ تُشَذَّبُ
صَلَبُوا الحَقِيقَةَ فِي مَيَادِينِ المُنَى
فَتَضَاحَكَ الجَلَّادُ، وَهْوَ مُنَقَّبُ
لَمْ يَبْقَ مِنْ إِرْثِ البُطُولَةِ غَيْرُ مَا
يَسْرِدُ الرُّواةُ لِكَيْ يَنَامَ الأَشْيَبُ
أَمَّا الشَّبَابُ فَفِي قَوَارِبِ وَهْمِهِمْ
رَكِبُوا العُبَابَ وَمَوْجُهُ يَتَقَلَّبُ
بَحْثًا عَنِ الفِرْدَوْسِ فِي لُجَجِ الرَّدَى
وَالفُلْكُ مِنْ ثِقَلِ الفَجِيعَةِ يَرْسُبُ
يَا حَسْرَةَ الأَوْطَانِ حِينَ يَبِيعُهَا
سِمْسَارُ مَأْسَاةٍ، وَلِصٌّ مُذْنِبُ
وَيُصَاغُ تِبْرُ الأَرْضِ قَيْدًا لِلرُّؤَى
وَيُبَاعُ فِي سُوقِ النِّخَاسَةِ مَنْكِبُ
هَذِي مُعَلَّقَتِي نَقَشْتُ حُرُوفَهَا
بِدَمِ الشَّهِيدِ، وَكُلُّ حَرْفٍ يَغْضَبُ
حَتَّى إِذَا نَادَى المُنَادِي لِلْعُلَى
كَانَتْ صَلاَتِي فِي اليَقِينِ تُكَتَّبُ
32 مشاهدة