هواجِسُ مشتاقٍ
عَرِّجْ إلى أرضِ الفُراتِ وَمَهِّلِ
وإذا بلَغتَ تُرابَها فَلتَنزِلِ
وَاقرَأ سلامِي على الحمامِ وشَطِّها
حتَّى إذا سألَتْكَ عَنِّيَ عَلِّلِ
قُلْ يا فُراتَ الخيرِ ما نَسِيَ الفتى
عهدَ الصِّبا يوماً ولم يتبَدَّلِ
لو حاوَلَتْ كُلُّ النِّساءِ لِشَغفِهِ
"ما الحُبُّ إلَّا للحَبيبِ الأوَّلِ"
أو هامَ في كُلِّ البلادِ مُسافِراً
"فَحنِينُهُ أبداً لأوَّلِ مَنزِلِ"
وَامضِي إلى وَسْطِ المدِينَةِ وأسأَلِ
الشِيبانَ فيها عَنْ زمانٍ أوَّلِ
عَنْ سُورِها الأثَرِيِّ ماذا أصابَهُ
هَلْ قد تَدَثَّرَ بِالجَّنوبِ وَشَمألِ ...؟!
عَنْ بابِ بغدادَ الَّذي ما مَرَّهُ
يوماً غَرِيبٌ دونَما أنْ يُذهَلِ
عَنْ ذِكرَياتِ السُّوقِ في أعيَادِنا
إذ تَصدَحُ الأصواتُ دونَ تَمَلمُلِ
عَنْ ذاتِ دُلٍّ بالهوى عُلِّقتُها
شَفَّتْ فؤادي بِحَدِّ طَرفٍ أكحَلِ
تلكَ الَّتي قابَلتُها ذا ليلةٍ
فَحَسِبتُها بدراً مُنيراً مِن علي
قد طالما غازلتُها مُتأمِّلاً
وحملتُها في دعوتي وتَبَتُُلي
وجعلتُها مِحرابَ شِعرِيَ تارةً
أخلو بهِ كي أستفيضَ مناهِلي
أو تارةً مرآةَ نفسِيَ كي ترى
كُلُّ الخلائقِ ما يَجِيشُ بداخلي
كم شاركَتْ قلبي نوازِلَهُ وكم
قد دثَّرَتنٍي بينما لا حولَ لي
شيطانَ أشعاري ألِفتُ وجودها
وملاكِيَ الحاني ودِفءَ المنزلِ
كالبَدرِ صورتُها إذا ما أسفَرَتْ
والشَّمسُ لولا طُلوعها لم تأفُلِ
والمِسكُ يأخُذُ مِنْ شذاها طِيبَهُ
والكأسُ لولا ثغرها لم تُثمِلِ
والمُجدِباتُ القُفرُ لم تَكُ جنَّةً
لو لم تُلامِسْ تُربَها بالأنمُلِ
والرُّوحُ ما ذاقَتْ سكينةَ عيشِها
لو لم تَكُن فيها، ولم تددلَّلِ
فَاقرَأ سلامِي على الَّتي أحبَبتُها
وعلى الفُراتِ وأهلهِ وعواذِلي
وَإِذَا أَنَخْتَ الرَّكْبَ حِيْنَ تَمَامِهِ
فَاخْلَعْ نِعَالَكَ.. لِلْجَمَالِ وَقَبِّلِ