موتي مؤجلٌ للأمس!
[تلقيتُ إخطارًا
بأني مِتُّ غدًا، وليس لي حظٌّ في طريق العودة!]
[..|=|..]
أعرف كثيرًا من الموتى
الذين قابلتهم هذا الصباح:
أسماءَهم/ أرقامَ هواتفهم،
من وضعت صندوقَ الزينةِ
في درجِ الكومدينو،
مَن مشيَت خلف جنازتها
وضاق عليها الترحيبُ
ببابِ القبرِ؛
ومن يمسكَ مِسمارًا؛
ليدبر في العتمةِ عينين.
-
من ظُرفِ الطالعِ أنّي
أردتُ أن أكونَ
كالماءِ، على حينِ غفْلةٍ
من أبيهِ
–البحر؛
ولِدتُ..
على مَشيئةِ رملٍ
وربـْلةِ شاطِئْ
.....
رأسي مُثبتٌ في الجدارِ
ذراعي ممدودةٌ في الريحِ؛
الروحُ تقفزَ حُزنها المقيت
والقواربُ في براحِها الدامسِ
ليست كما يسمّيها الناسُ جثثًا
أو غنائمَ حربٍ
زرعَتها أمي، كما تريدُ:
لُغمًا يصيد البلابلَ،
تُفتّت به المُدنَ من نواصيها
وتحفُّها/بالموت.
؊
موتي لا يعني لكم شيئًا
-السابلةُ الملعونون بالتيه-
فمنذ ولادتي
وموتي مُنتَظرٌ
على الرايةِ الكبرى
كمَن جرّب أن يرى المسيحَ
يصعدُ من صلاتهِ الأولى
فوق حصيرةِ الملكوتِ،
ولم يرهْ!
منذ ولادتي،
وموتي مُختَصرٌ
على رقعةِ الوقتِ المُمزقةِ
إلى أنبياء وفراديس
إلى أولياء وكهنةِ معبدٍ
أوصموني كلّما، وعيتُ الضوء..
في مُبتدأ الطريقِ
بلّلتني المسافةُ ردحًا من الهوانِ
وأكفلني الرّبُ مِئزره!
وسيخرج مَن يقول لي:
- اصرخ أيها المارد المجلل بالنارِ/ والنورِ..
الترابُ والماءُ/ طبْعُك الوثنيّ
الذهبُ والفضةُ: مِلْحاك؛ لتُسرفَ في الشظفِ
فأقول لكم: أنّ موتي
ملغومٌ بأرصدةِ الغبارِ/بالنهارِ الفارقِ
في عيني وردةٍ ذابلةْ
- وبالمجدِ سيبقى موتي أبدًا ؛
فارفعوني قُربانَ الخطيئة.
[خطيئتكم لا تعفي الريح أن تثير الخيانات بالصخبِ أسفل الوسائدِ/ستقطرُ لكم من صنابيرِ الرعدِ/ستندملُ من المسامِّ/ ستتحطمُ من مساراتِ الجليدِ/ من متاهاتِ الأخيلةِ/ من وعورةِ الدهشةِ تحت أنقاضِ الحياةْ]
*
مِدّوا الرصيفَ الجائع
إلى أثداءِ الأمهاتِ
شِدّوا الوثاقَ حول صراخي
طوّقوا المشيمةَ حول رئتيّ
ستنهمر الفاقةُ حرّةً من تِكيّةٍ مهجورةٍ
وستغيض الأرحامُ قططًا مذعورةَ الفئران
لا حجةَ لكم وقتها،
أن يعود موتي مجدّدًا بقيامته التليدةْ!
.
فلكِ أن تتخيّلي الموتَ -أيها السقطةُ الحُرّةُ في المدى
-أريدكِ أن تتخيليه:
الموتَ الذي يجلس كلّ صباحٍ
ببابِ المدينةِ الصمّاءِ،
لم يكن موتًا كما ندّعيه
من سلالةٍ مرّت بأرضِ العشبِ والخِرافِ
وما من مسيحٍ ينصح الجوعى بالمبيت
ما من مسيحٍ أنفذ الناجين
مُهلةَ الوصولِ ديارَهم البعيدة
ما مِن مسيحٍ يجلسُ
في ركنٍ من الشاطئِ المُعتمِ
ويُملي على الشرفةِ التي
-تسقط سهوًا كنجمةٍ راقصةٍ..
مُدلهِمّةٍ بكمال حِدّتها :
تُوبي إلى الشعرِ
أيتها القصيدة اللعينة
أنا خصيمكِ
يوم يزحف الغاوون
جهرًا وسرًا
إلى الملكوتِ المباركِ
من طقوسِ شيطانٍ مارد.
تُوبي، بمعصيةِ الليلِ
واغتسلي
بمنيّ المُرسَلين،
من رجالكِ الحمقى،
إلى أنسنةِ الشعائر.
......*......
لا يمكن للعاصفةِ المؤاتيةِ،
أن تذهب أكثر من خطوتين
في جسدٍ أنهكته الأرضُ، ولم ينكسر!
في جسدٍ
استحلبَ صاحبُه فراغَ ذاكرته
ومضغ الرسالةَ التي كتبها إلى الله؛
لأنه لا يعرف رمز صندوق بريده!
-*-
لو لم تخنِّي الذاكرةُ؛
لشطرتُ الموتَ من مؤخرته
ومزّقتُ أواصره من الترقوةِ
إلى الخصيتين!
**
لمَ الخوف –إذًا- من "بائسٍ" مثلي؟!
،يفرحُ إن قتلتموه "الحُسينَ"،
وطردته الحانةُ التي نزلها مُرغمًا:
كلصٍ سرق منها القطيعَ،
وأتلفَ سمعةَ الراعي..
نزلها كنجّارِ نعوشٍ،
يعرفه الناسُ من مقعده الخشبي
من زُمارته التي يطلق منها صراخه عليهم
من عقيرته المُشذبةِ بثُلمةِ سِكّين!
فلمَ الخوف من "بائسٍ" مثلي؟!:
يتوسّمُ في الضريرِ الذي
يصلّي الشعرَ حاضرًا
وهو مضطجع كالزهرةِ تتقوّس
من تأمّلِ أُمّها البذْرةْ
يتوسّمُ في العجوزِ الناتئةِ كـ شجرةِ سِدرٍ
تدْردُ سيرةَ النافقين غدْرًا
وترُصُّهم في الأرضِ السّحيقةِ/الحُفْرةْ
يتوسّمُ في الصبيةِ؛
يرحلون عن البحرِ بأسمالِ ضحكتهم
وأرواحُ المردةِ
في قمصانهم الشفيفةِ/ الصُفْرةْ
*
- ماذا أو أُثيرتْ شُبهةُ موتي
في وسائلِ التواصلِ المرئيةِ والمسموعة؟
- ماذا أو أخبروا الجميع
أخبروا الشاطئَ المتجبّس بالرملِ
أخبروا (الحطّابين في الجبالِ النائيةِ،
والفلاحين في مزارعهم،
والعجائز حول نار المدفئةِ في ليالي الشتاءِ..
وآلافًا من البسطاءِ ينتظرون عودةَ "ريتشارد")
وفي يدهِ، المقدّسةِ، رأسيَ؛
الذي سيرفعه النبلاءُ على بُرجِ كنيستهم
وأسفل منه ستصدح الصلواتُ للدم.
*-*
كما في مختبراتِ الوراثةِ
لا تجري العادةِ أن يُسقطوا الجنسيةَ
عن فئرانِ التجاربِ
عن بائعةٍ في السوقِ تغشّ بضاعتها
وكأن الأمر يهمُّها أن يخبروها
أن تُرشدها مباحثُ العاصمة
عن ضحيّةٍ مثلي،
يُدانُ في مقتلِ وطنٍ يعبر الطريق؛
ولم تكن بيده غير كيس بقالته الفارغ.
-
منذ عدّة أميالٍ
وأنا لا أستطيع الفرار!
منذ عدّة أزمنةٍ
وأنا أركضُ في خيالاتي
علّ أرصفة الجنازاتِ
وطاولات الغُسلِ
فوق المدى المُتّئدِ بالعرباتِ
وشُرطةِ المُسطحاتِ
تصطاد أطواقَ النجاةِ
وألويةَ الغانياتِ
التي تعقفُ رأسها
والباراتِ المتخمةِ
بأحذيةِ الناعقين كالغربانِ
والشاحناتِ المُرتّصة
والموانئ المؤطّرةِ
بصلفِ الضجيج
علّها، إن حانت الفرصةُ،
أنْ تقطع من عنقي الشريط اللاصق
وتترك في غرفةِ التكفين،
بابها الموارب للهواء؛ يجفف جثماني.
-*-
مُتوقعٌ من الموتِ
أن يسحبَ عربته المربوطة بالخيلِ؛
وقد صدأتْ في حناجرها
المسافةُ بين الصرخةِ والصهيل
تلك المسافةُ، من عدمْ
مرصودةٌ - بين سُعارِ الروح
وطعنةِ الصراع.
كلانا يُدركُ الموتَ
في الطرقاتِ
- ينقل الحفاةَ لعُري الشمسِ القاحلةِ
في المقهى
- يراوغ ظلُّه المرايا
لا تجده مُنحنيًا على طاولةٍ
لا يجيد أن يميل بزاويةٍ عند بابه المُتهالك
ويلتقط فراشةً يرقص معها
وعند نهايةِ الحفلِ يمنح فمَها الصغير
-بنُبلِ فارسٍ محنّك-
قبلتَه التي تعيد رواجَ السوقِ
في جُثث العذارى.
.
كلانا يدخلُ الحربَ معه
مُوقنين بألفِ خسارةٍ تنتظر
بلهفةِ الرصاصةِ للجوانحِ المنهكةِ
كلانا يصيبه الخرفُ
كلما كبُر على الذعرِ من نعتهِ
من ملامسةِ العتمةِ في دهاليزه
من ذاكرةِ الحوائط المُهشّمة إلى أشباحٍ
وهي تُقيم طقوسَ المجدِ للفناءِ الأعظم
.*.

9 مشاهدة