مَلِكُ العَدَمِ الذي نَسِيَ اسْمَهُ
قصيدة سريالية أسطورية
ــــــــــــــــ،
مَلِكُ العَدَمِ الذي نَسِيَ اسْمَهُ
في اللَّيْلِ، حينَ تَشُقُّ أَجْفانَ المَدَى
رِيحٌ تُفَتِّشُ عَنْ جُذُورِ النَّجْمَةِ،
وَيَنامُ وَجْهُ اللهِفَةِ الْمَنْفِيَّةِ
فَوْقَ الْمَجَرَّةِ كَالْغُبارِ الْمُتْعَبِ،
خَرَجَ الزَّمانُ مِنَ السَّاعَةِ حافِيًا،
يَجُرُّ خَلْفَ خُطاهُ نَعْشَ الْمَوْعِدِ،
وَأَطَلَّ مِنْ شُرْفَةِ الْعَدَمِ الْقَدِيمِ
مَلِكٌ بِلا وَجْهٍ، بِلا تَاجٍ، بِلا اسْمِ.
نادَى: «أَيا أَبْناءَ هَذَا اللَّيْلِ، مَنْ
مِنْكُمْ رَأَى وَجْهِي قَبْلَ أَنْ أَكُونَ؟»
فَتَفَتَّحَتْ أَفْواهُ أَسْمَاكِ السَّمَا،
وَتَكَلَّمَتْ حَتَّى حِجارَةُ أُذُنِي.
قالَتْ لَهُ الْأَرْضُ الَّتِي نَسِيَتْ خُطاها:
«أَنْتَ الَّذِي أَعْطَيْتَ لِلْمَنْفَى يَدَيْهِ،
وَغَرَسْتَ فِي عَيْنِ الْمَرايا قَبْرَنا،
وَسَقَيْتَ مِنْ دَمْعِ الْحَقِيقَةِ زَيْفَنا».
فَاسْتَلَّ مِنْ صَدْرِ الْفَضاءِ خَريطَةً،
وَطَوى الْمَجَرَّةَ فِي جُيُوبِ الْمُمْكِنِ،
وَمَشَى، وَكانَ الْمَوْتُ يَمْشِي خَلْفَهُ
كَالظِّلِّ، لَكِنْ بِاتِّجاهٍ مُعْكِسِ.
رَأَيْتُ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ نَهْرَنا
كُتُبٌ تُفَتِّشُ عَنْ قُرّاءٍ ماتُوا،
وَحُرُوفُها تَتَشَرَّدُ الْآنَ الْآنَ.
وَرَأَيْتُ كِتابًا لَمْ يَكُنْ مَكْتُوبًا،
فَفَتَحْتُهُ، فَتَساقَطَتْ مِنْهُ الْمَدُنْ،
وَتَدَفَّقَتْ مِنْ بَيْنِ أَوْراقِ الْعَدَمْ
أَصْواتُ مَنْ رَحَلُوا وَلَمْ يَجِدُوا كَفَنًا
لِلذِّكْرَياتِ، وَلا مَكانًا لِلْوَطَنْ.
كانَتْ حُرُوفُ الْكِتابِ تَسْأَلُني:
«مَنْ يَكْتُبُ الْأَشْياءَ حِينَ تَمُوتُ؟»
قُلْتُ: «الَّذِي يَبْقى مِنَ الْإِنْسانِ بَعْدَ
سُقُوطِ أَقْنِعَةِ الْوُجُوهِ وَالزَّمَنْ».
فَانْشَقَّ صَمْتِي، وَاسْتَحالَ إِلى جِدارٍ،
وَتَسَلَّقَتْهُ الْأَسْئِلَةْ.
أَنَّ الْعُروشَ الَّتي تَنامُ عَلَى دِماءِ
الْحُلْمِ، يَأْكُلُها صَباحٌ مِنْ وَرَقْ؟
وَأَنَّ مَنْ يَحْكُمْ بِغَيْرِ ضَمِيرِهِ
يَبْقى، وَإِنْ مَلَكَ السَّماءَ، بِلا وَطَنْ؟
لَمْ يَسْتَجِبْ.
لَكِنَّ تاجَهُ انْحَنى،
وَتَساقَطَتْ مِنْهُ النُّجُومُ كَالدُّمَى،
وَتَحَوَّلَ الْعَرْشُ الْمُشَيَّدُ مِنْ هَوىً
إِلى كُرْسِيٍّ فِي انْتِظارِ مُتَّهَمْ.
جاءَ الْمَلِكُ إِلَيَّ يَحْمِلُ مِرْآتَهُ،
وَجْهًا يُفَتِّشُ عَنْ مَلامِحِهِ بِها.
قالَ: «أَعِدْ لي اسْمِيَ الْمَنْسِيَّ،
إِنِّي تَعِبْتُ مِنَ الْخَلاءِ».
قُلْتُ: «الْأَسامي لا تُعادُ لِمَنْ أَضاعَ
وُجوهَ مَنْ مَرُّوا بِهِ وَهْوَ يَمْضِي.
إِنَّ الْمَرايا لا تُرِي وَجْهًا لِمَنْ
جَعَلَ الْوُجوهَ جَميعَها أَقْنِعَةً».
فَتَهاوَى مِثْلَ حُلْمٍ لَمْ يَجِدْ
مَنْ يَسْتَعِيرُ لَهُ الْيَقِينَ.
وَانْطَفَأَتْ فِي راحَتَيَّ مَجَرَّةٌ،
وَتَفَتَّحَتْ فِي كَفِّ صَمْتي ياسَمِينَةْ.
وَلَعَلَّنَا لَمْ نَكُنْ، مُنْذُ الْبِدايَةِ،
إِلّا سُؤالًا فِي فَمِ الْأَزَلِ الْقَدِيمْ،
وَلَعَلَّ أَوَّلَ خُطْوَةٍ نَحْوَ الْحَقِيقَةِ
أَنْ نُحَطِّمَ فِي دَواخِلِنا الْوَثَنْ،
وَنَعُودَ، لا مَلِكًا، وَلا ظِلًّا،
وَلَا اسْمًا يَتَوَجَّسُ مِنْ فَنَائِهِ،
بَلْ إِنْسانًا...
يَكْفِيْهِ أَنْ يَحْيا
لِيُعِيدَ لِلْكَوْنِ الْمُشَظَّى
اسْمَهُ الْأَوَّلَ: الْقَلْبْ.
بقلم: أحمد عزيز الدين أحمد
شاعر الجنوب
ـــــــــــــــــــــ،
ما الذي يمنح القصيدة بُعدها السريالي؟
الصورة الحلمية: الزمن يخرج من الساعة، والنهر يجري إلى أعلى، والكتب تبحث عن قرّاء ماتوا.
الأسطورة: ملك العدم الذي يفقد اسمه وتاجه ووجهه، فيتحول إلى رمز للسلطة التي تنسى الإنسان.
المفارقة الوجودية: الإنسان لا يبحث عن اسمه فحسب، بل يبحث عن المعنى الذي يجعله إنسانًا.
البناء الرمزي: تنتقل القصيدة من عالم مختلّ إلى مواجهة الملك، ثم إلى خاتمة تعيد تفسير الرحلة كلها.
المغزى: لا قيمة لسلطة تفقد ضميرها، ولا معنى للمعرفة إذا انفصلت عن الإنسان؛ وقد تكون بداية الخلاص في استعادة القلب.
بقلم / احمد عزيز الدين احمد
،،،،،،، شاعر الجنوب
