صَدَى الكَلِمَةِ في هَيكَلِ الهُوِيَّة
"الثقافةُ ليست حصيلةَ ما نجمعُهُ من المَعارفِ، بل هي (المَعنى) الذي نخلعُهُ على الأشياءِ بلسانِنا؛ فإذا صَمَتَتِ اللغةُ، سَقَطَتِ الحضارةُ في جُبِّ الذهول."
إذا كانت العلومُ تُشيّدُ الأبدانَ وتنظمُ العمران، فإنّ الثقافةَ هي "البنيةُ الصرفيةُ" التي تمنحُ المجتمعاتِ جوهرَها؛ هي السحرُ الإلهيّ الذي يُحوّلُ الإشاراتِ المجرّدة إلى هوياتٍ راسخة. إنّ الأمةَ لا تفقدُ أثَرَها حين تُهدمُ أسوارُها، بل حين تعجزُ عن "اشتقاقِ" مفاهيمِها الخاصة، فتستعيرُ ألفاظَ غيرِها لتصفَ بها وجعَها وأحلامَها، وتغدو شبيهاً بـ "المعرَبِ" الذي نَسِيَ أصالتَهُ الصرفية.
الثقافةُ في عُمقِها هي صراعٌ دائمٌ بين "الدالّ" و"المدلول". نحن لا نرى العالمَ كما هو، بل كما تُترجمُهُ لنا قواميسُنا؛ فالعينُ تقعُ على المشهدِ، لكنّ "البلاغةَ" هي التي تجعلُ من الشجرِ رمزاً للانتماء، ومن الجبالِ شواهدَ على الشموخ. كلُّ موروثٍ شفهيٍّ، وكلُّ رسمٍ على جدار، وكلُّ طقسٍ اجتماعيٍّ، ليس إلا "جملةً ممتدةً" تبحثُ عن إعرابٍ يقيها طغيانَ المحو.
حين تتأمل الفلكلورَ والحكاياتِ الشعبية، تجدُها تعملُ كـ "أفعالِ مقاربة"؛ تُدنِي البعيدَ، وتجعلُ الغريبَ أليفاً، وتنسجُ بين قلوبِ البشرِ "حبالَ عطفٍ" لا تنصرم. إنّ الحضاراتِ الحيّةَ هي التي تجعلُ من لغتِها كائناً متجدداً، لا يكتفي بـ "الجمودِ" في قواميسِ الأقدمين، بل يتنفسُ العصرَ ويشتقُ منه "أسماءَ فاعلين" يُصمّمونَ الغد.
أن تكون ثريّاً ثقافياً لا يعني أن تحفظَ الأسماءَ والتواريخ، بل أن تملك "المعجمَ الخفيّ" الذي يجعلك تفهمُ مغزى الصمتِ قبل الكلام، وتدركُ أنّ الثقافةَ هي ذلك "المعنى الكليّ" الذي يتبقى في الروحِ حين تُنسى التفاصيل.
#مجتمع #شعر #مجتمع_عام #أدب #خواطر
1 مشاركة35 مشاهدة