علاقاتي بالأشياء التي أحبها
لدي فضول دائم تجاه الأشياء ورغبة لا تكاد تهدأ في اكتشاف المزيد من المعارف وخوض تجارب جديدة وفهم ما يحيط بي من أفكار وعوالم مختلفة ومع ذلك لم أحاول يوما فهم قوانين كرة التنس على الرغم من أنني أراها لعبة تستحق الاهتمام وتستغرق بعض مبارياتها ساعات طويلة في مشهد يبدو لي أشبه باختبار لقدرة الإنسان على الاحتفاظ بتركيزه ومتابعة التفاصيل الصغيرة حتى اللحظة الأخيرة
ربما تكمن المسألة في علاقتي بالوقت أكثر مما تكمن في طبيعة الأشياء نفسها فأنا أحب أن أمنح اهتمامي لشيء ما ثم أنتقل إلى شيء آخر حين أشعر بأن فضولي قد بلغ غايته أو أن التجربة بدأت تفقد قدرتها على إثارة دهشتي وأجد في هذا التنقل نوعا من الحرية الذهنية التي تجعل العالم يبدو أوسع من أن نحصر أنفسنا في زاوية واحدة منه فالحياة بالنسبة إلي مساحة مفتوحة للاكتشاف وكلما استوقفتني فكرة فتحت لها بابا في ذهني ثم مضيت إلى غيرها بحثا عن ضوء جديد أو تجربة مختلفة
لهذا أميل إلى القصيدة أكثر من ميلي إلى الفنون النثرية خاصة الرواية فالقصيدة تمنحني تجربة مكثفة تستطيع تعديل خلال أبيات قليلة أن تنقلني من الحزن إلى الفرح ومن التأمل في الذات إلى التأمل في الكون وتختصر مسافات طويلة من الشعور في لحظة لغوية خاطفة وكأن الشاعر استطاع أن يضغط زمنا كاملا داخل كلمات محدودة فيمنحني متعة الاكتشاف ودهشة المعنى من دون أن يطالبني بإقامة طويلة في عالم واحد
أما الرواية فعلى الرغم من تقديري لما تتيحه من عوالم وشخصيات وتحولات إنسانية فإنها تحتاج إلى وقت ممتد وصبر على متابعة التفاصيل ومرافقة الأحداث حتى تتكشف عنها الرواية في صورتها الكاملة وأنا بطبيعتي أميل إلى التجارب التي تمنحني فرصة الانتقال بين العوالم كلما شعرت برغبة في ذلك ولذلك أجد نفسي أقرب إلى الفيلم الذي يستطيع أن يمنحني حكاية مكتملة خلال ساعتين تقريبا ثم يتركني أعود إلى حياتي محملا بما أثار في نفسي من أفكار ومشاعر بينما يبدو المسلسل أشبه بعلاقة طويلة تتطلب قدرا من الالتزام والاستمرار حتى أصل إلى نهايتها
ولعل الأمر كله يتصل باختلاف طرائق البشر في استقبال العالم فهناك من يجد متعته في التعمق في موضوع واحد حتى يبلغ أعماقه وهناك من تتسع متعته كلما تنقل بين موضوعات متعددة وهناك من يستهويه تتبع التفاصيل الدقيقة وهناك من تجذبه الصورة الكاملة
وفي حين يجد بعض الناس لذتهم في الرحلات الطويلة التي تتكشف أسرارها بالتدريج يفضل آخرون الرحلات القصيرة المتعددة التي تمنحهم في كل مرة منظرا جديدا وتجربة مختلفة
وربما تكمن المسألة في أن لكل إنسان طريقته الخاصة في مصالحة الوقت وفي توزيع انتباهه على الأشياء التي تمنحه متعة الاكتشاف فهناك من يجد لذته في البقاء طويلا داخل عالم واحد حتى يستنفد تفاصيله وهناك من تشبهه الحياة بمكتبة مفتوحة ينتقل بين رفوفها كلما استوقفته فكرة أو أثار فضوله عنوان جديد وأنا أميل إلى هذا النوع من الارتحال بين المعارف والفنون حيث تمنحني كل تجربة فرصة للبدء من جديد وتوقظ في داخلي أسئلة لم تخطر لي من قبل وربما كان هذا التنقل في حد ذاته شكلا من أشكال المعرفة لأننا حين نغادر عالما إلى آخر نحمل معنا شيئا من الأول ونكتشف في الثاني ما يساعدنا على فهمه بصورة مختلفة
وما زلت أرى أن فضولي هو أحد أكثر الأشياء التي تمنح حياتي اتساعا لأنه يجعلني أبحث وأسأل وأتأمل وأمنح الأفكار الجديدة فرصة للدخول إلى عالمي حتى وإن لم أجد في نفسي رغبة في التعمق فيها طويلا فليس من الضروري أن يتحول كل اهتمام إلى شغف دائم أو أن تصبح كل تجربة جزءا ثابتا من حياتنا إذ تكفي أحيانا لحظة قصيرة من المعرفة لتفتح في عقولنا نافذة جديدة وتترك فينا أثرا يمتد إلى ما هو أبعد من زمن التجربة نفسها
#محمد_الروسي
#مجتمع #شعر #أدب #مجتمع_عام #لآلئ_اليوم
8