رُؤيا منَ الغار
أَقلُّ منَ الرُّؤيا، وأَبعدُ منْ كرى
كأنِّي – ولا أَدرِي – أَراهُ، ولا أَرى
كأنِّي وما حولي على بُعدِ نشْوةٍ
سكرتُ، ومنْ في الكأْسِ أَدرى بما جرى
ترنَّحتُ، لكنِّي وقفتُ على فمي
تشبَّثتُ، لكنَّ المجازَ تأَخَّرا
ومنِّي إلى أنْ تهتُ منِّي فلا أنا
عبرتُ ولا شوقي إليهِ تعثَّرا
وقبلَ انْدلاعِ الغيبِ أَوجسْتُ حيرةً
كأَنَّ الأَنا جفَّتْ وحبرِي تخثَّرا
ولا برَّ إلَّا البحرَ؛ كيفَ عبرتُهُ؟
ولا بحرَ إلَّا البرَّ؛ منْ أَينَ أبحرا؟
وكيفَ رآهُ الماءُ ينبتُ في الرُّؤى
ولمْ يلتفتْ غيمٌ، ولا ضمَّهُ ثرى؟!
فقالَ: أَنا والحبُّ نهرانِ، كلَّما
تقرَّبتَ منْ معنًى، تغرَّبتَ أَكثرا
ولا حبَّ – إِلَّا الحبَّ – يا ربُّ أُمَّتي!
وهلْ يُبْتلى المحبوبُ إلَّا ليُعذرا
محمَّدُ: خذْ شعثي، وهبني أَمارةً
منَ الطُّورِ، أَو قلبًا نبيًّا لأُبْصرا
وصفحًا إِلى دمعِ اليتامى، وحِنْطةً
أُواري بها سوءآتِ منْ جارَ وافْترى
وأحجيةً للعنكبوتِ تركتُها
على سِبْحةٍ خِيطتْ منَ النَّسجِ في العُرى
وعذرًا إِذا لمْ أَسْتطعكَ، فما أَنا
سوى قطرةٍ في الغيمِ، زدني لأمطرا
فما قُلتُهُ حبرٌ تلعثمَ في فمي
وما لمْ أَقلْ ما زالَ عطرًا مطهّرا
كأَنِّي على مسْراكَ أَنْسلُّ منْ مدًى
إِلى آخَرٍ، حتَّى تضاءلتِ القُرى
أَحنُّ حنينَ الجذعِ في كلِّ خطرةٍ
ويهتزُّ كُنْهُ الغيبِ شوقًا إِذا اعترى
فيا آيةَ الرَّحمنِ، ما آيةٌ التي
على صدرها عامينِ، أَسْقتْ وأَثْمرا؟!
و"َأَنَّى لها هذا"؟ تجيبُ "حليمةٌ":
قسيمي منَ الرَّحمنِ، قِسْمي منَ الورى
"يتيمًا فآوى" ثمَّ أَهدى "وعائلًا
فأَغْنى" فمنْ سمَّاهُ أَحمدَ بشَّرا
وشقَّ لهُ صدرًا منَ الحبِّ صافيًا
وأودعهُ منْ نورِهِ ما تيسَّرا
"على خُلُقٍ" أَسمى، وخَلْقٍ، وكيفَ لَا
وأنتَ على ما شئتَ، قولًا وجوهرا
ولكنَّني يا ابنَ الذَّبيحينِ عاشقٌ
على نحرِهِ نذرٌ منَ العشقِ ما انْبرى
أَتَيتُ على هديٍ منَ الشَّوقِ، ليسَ لي
فداءٌ سوى روحى، هلُمَّ لتنحرَا
أُريدُ منَ السِّكِّينِ قُربى، ومنْ دمي
نجاةً، ومنْ دمعِ الملايينِ كوثرا
أُريدُ منَ الصَّلصَالِ روحًا تدلُّني
إِلى الرَّحمةِ المُهْداةِ ماءً مُقطَّرا
فهبني مجازًا لا ينامُ، ورعشةً
على السَّطرِ لا تُمحى، وسرًّا لأعبرا
إِلى سدرةٍ تسمو منَ القِبلةِ التي
توجّهتُها حبًّا، لمعراجِ منْ سرى
إِمامًا لكلِّ الأَنبياءِ، وأُمَّةً
منَ البدءِ حتَّى الختمِ نورًا مُسطَّرا
أَتيتُكَ مذبوحًا بعشقي، وها أَنا
أَعودُ على نحرِي ذبيحًا مُحرَّرا
وما زلتُ حتّى دمعتينِ ذرفتُها
إذا ما دنا غيمٌ تداعيتُ أنهرا
@المتابعون