صباح الحكايا ..
الفرصة الثانية
نفقد في رحلة الحياة أشخاصًا أحببناهم، من أصدقاء وأقرباء، ونمضي في أيامنا معتقدين أن الوقت يتّسع لكل شيء، وأن اللقاءات ستتكرر، والكلمات المؤجلة ستجد طريقها يومًا إلى أصحابها. لكننا لا ندرك، إلا بعد الغياب، أن تلك اللحظات التي بدت عادية، وتلك التفاصيل الصغيرة التي لم نلتفت إليها بما يكفي، كانت في الحقيقة أثمن ما نملك، وأنها حين مضت لم تترك لنا سوى ذكريات نحاول أن نستعيد دفأها كلما اشتقنا.
وعندها، لا يؤلمنا الغياب وحده، بل تؤلمنا أيضًا أشياء كثيرة تركناها معلّقة؛ كلمات لم نقلها، وضحكات لم نمنحها حقها من الفرح، وعناق اختصرناه على عجل، وخصام طال أكثر مما ينبغي. نتذكر كل ذلك، ونتمنى لو أن الزمن يمنحنا فرصة واحدة لنعود، لا لنغيّر الحكاية كلها، بل لنعيش بعض لحظاتها على نحوٍ مختلف؛ لنعتذر حين كان الاعتذار أجمل، ونسامح حين كان العتاب أثقل من أن يُحتمل، ونقول لمن نحب إن وجودهم في حياتنا لم يكن أمرًا عابرًا، وإننا كنا أكثر سعادة مما أدركنا في حينه.
وهكذا، حين يصبح الماضي بعيدًا عن متناول أيدينا، نفهم أن بعض الأشياء لا نعرف قيمتها كاملة إلا حين نفقد القدرة على استعادتها، وأن الندم لا ينشأ دائمًا مما فعلناه، بل كثيرًا ما ينشأ مما كان بوسعنا أن نفعله ولم نفعل. نتمنى دقيقة واحدة فقط، نطمئن فيها قلبًا غاب، أو نعبّر فيها عن محبة تأخرنا في إظهارها، أو نطيل عناقًا لم نكن نعلم أنه قد يكون الأخير. لكن الزمن لا يعود، وبعض الغياب لا تملك الكلمات أن تعوّضه، مهما حملت من صدقٍ وحنين. لذلك، لعل أجمل ما نتعلمه من الفقد أن نكون أكثر حضورًا في حياة من نحب، وألا نؤجل كلمة طيبة، أو نختصر لحظة ودّ، أو نترك خلافًا صغيرًا يحجب عنا قيمة علاقة كبيرة. فالحياة لا تمنحنا دائمًا فرصة ثانية، ولا تضمن لنا أن يبقى الذين نحبهم حتى نقول لهم كل ما نريد. ومن لا يحتضن حاضره بصدق، قد يجد نفسه يومًا يمدّ ذراعيه إلى سراب الذكريات، باحثًا عن فرصة ثانية لا يملك من أمرها شيئًا.
عزة عيسى
#مجتمع #أدب #يوميات #صباح الحكايا

12