مؤامرة فيلا سيفر ضواحي باريس
تختبئ العروش المتهاوية عادة خلف كواليس الدبلوماسية الرسمية الراقية، لكنها حين تفجع باستقلال الشعوب وتفقد صوابها أمام المد النضالي، تترك قصورها الملكية الفاخرة لتطبخ الدسائس في أقبية سرية بذهنية عصابات الليل التي تخشى الكبسولات الضوئية
هذا تماما ما شهدته ضاحية سيفر الباريسية في مثل هذا اليوم الرابع والعشرين من أكتوبر عام 1956، هناك في فيلّا فرنسية هادئة، اجتمع أكابر الاستعمار العالمي، فرنسا وبريطانيا، برفقة ربيبتهم دولة الاحتلال، لا لمناقشة مستقبل السلام، بل لطبخ خلطة العدوان الثلاثي ضد مصر في مشهد سريالي مخجل ومضحك في آن واحد
لقد جن جنون الإمبراطوريات التي كانت تتبجح بأن الشمس لا تغيب عن أملاكها أمام أمواج التحرر الصاعدة، فجلس قادتها العظام بصورة لا تليق بدول كبرى، وصاغوا سيناريو هوليووديا ركيكا لا يقبله حتى مخرج مبتدئ، تقوم إسرائيل بالتحرش بمصر ودخول سيناء، فتتظاهر بريطانيا وفرنسا بالمفاجأة والصدمة، وتهبان كقوات حفظ سلام غيورة لحماية قناة السويس واحتلالها مجددا، قمة الإنسانية الاستعمارية أن تكسر عظام الضحية ثم تتطوع لبيعها الجبيرة
لكن الحسابات الوردية في فيلّا التآمر شيء، وصفعة الميدان شيء آخر تماما
إذ سقط ذلك البروتوكول السري الفاضح في اختبار الأيام، وتطايرت أوراقه المقمرة في مهب الريح لتنكشف سوءة الشرف الاستعماري أمام العالم، وتحولت تلك المؤامرة المحبوكة في الغرف المغلقة إلى أضحوكة سياسية كبرى أثبتت أن القوى العظمى قد تملك قنابل ذرية لكنها تملك أيضا عقولا درامية بالغة التفاهة والسطحية سقطت عند أول اختبار للرجولة والسيادة على الأرض
وهكذا تطوى صفحة أخرى من ذاكرتنا العربية المثقلة بالدراما والكوميديا السوداء، لتؤكد أن استحضار الماضي ليس مجرد نبش في الأوراق الميتة، بل هو وقوف واع عند محطات صاغت حاضرنا في الفكر والأدب والسياسة والاجتماع، فنحن لا نلتقط من الأيام مجرد أرقام وجداول، بل نستحضر المفارقات الحية التي ما زالت تتقاطع مع واقعنا الراهن وتفرض نفسها على جدول أفكارنا اليوم
فأي محطة عربية فارقة أو أضحوكة تاريخية أخرى تخبئها لنا الأيام القادمة لنفك شفرتها معا، نلتقي في الحدث القادم لنواصل القراءة والتبحر ضمن سلسلتنا حدث في مثل هذا اليوم
#مجتمع #تاريخ #حدث_في_مثل_هذا_اليوم #أدب #مجتمع_عام #لآلئ_مجتمع #Hichem_belaroui #ترانيم_الحروف
@المتابعون

46 مشاهدة