حب الأوطان
حُبُّ الأوطان
يا وَطَني
لَستُ أُحِبُّكَ
كما يُحِبُّ النّاسُ أَسماءَهُم
بل كما تُحِبُّ الجِبالُ
وُقوفَها في وَجهِ الرّيح
وكما يُحِبُّ البَحرُ
أَمواجَهُ الهائِجَة
وكما تُحِبُّ النّارُ
أن تَظَلَّ نارًا
مِن جِبالِ عَمّانَ
تَنهَضُ الشَّمسُ
كَأَنَّها خارِجَةٌ
مِن قَلبِ حَجَر
وتَصعَدُ التِّلالُ
طَبَقَةً مِن الضَّوء
فَوقَ طَبَقَةٍ مِن الضَّوء
حَتّى يَظُنَّ العابِرُ
أنَّ السَّماءَ
اتَّكَأَت عَلَيها
كُلُّ ما فيكَ
يُقاوِمُ الزَّوال
الحَجَرُ
والزَّيتونُ
والطُّرُقاتُ القَديمَة
ووُجوهُ النّاس
الَّذينَ يَحمِلونَ الصَّباحَ
عَلى أَكتافِهِم
إذا سَقَطَ شَهيدٌ
نَهَضَت مِن خُطاهُ
سَنابِلُ لا تُحصى
وإذا انكَسَرَ بابٌ
فُتِحَت أَلفُ نافِذَة
وإذا مَرَّتِ العاصِفَة
بَقِيتَ واقِفًا
كَأَنَّكَ خُلِقتَ
مِن صَبرِ الأَرض
نَحنُ أَبناؤُكَ
لا نُجيدُ الانحِناء
نَتعَبُ
لَكِنَّنا لا نَسقُط
ونَنزِفُ
لَكِنَّنا لا نُطفِئُ قَناديلَنا
ونَشيخُ
لَكِنَّ في أَرواحِنا
قَمحًا لا يَهرَم
ما بَينَ تُرابِكَ والسَّماء
حِكايَةُ شَعبٍ
كُلَّما ظَنَّ العالَمُ
أَنَّهُ انتَهى
خَرَجَ مِن جِراحِهِ
أَكثَرَ اتِّساعًا
وأَشَدَّ غِناءً
وفي سُهولِكَ
تَركُضُ الرّيحُ
حامِلَةً رائِحَةَ القَمح
وأَغاني الرُّعاة
الَّتي لا تَغيب
وفي لَياليكَ
تَسهَرُ النُّجومُ
فَوقَ بُيوتٍ بَسيطَة
تَحرُسُ أَحلامَ الأَطفال
وتَزرَعُ في قُلوبِهِم
مَعنى الرَّجاء
وحينَ يَشيخُ الوَقتُ
عَلى أَبوابِ المُدُن
تَبقى جِبالُ عَمّانَ
تَرفَعُ هاماتِها
كَأَنَّها حارِسَةُ الفَجرِ
مُنذُ أَوَّلِ الحِكايَة
لا يُربِكُها غُبارُ العابِرين
ولا تُنقِصُ الرّيحُ
مِن شُموخِها شَيئًا
كَأَنَّها تَعَلَّمَت
أَنَّ الوَطَنَ
لَيسَ ما نَعيشُ فَوقَه
بَل ما يَعيشُ فينا
يا وَطَني
كُلُّ دَربٍ إِلَيكَ
يُشبِهُ العَودَة
وكُلُّ خُطوَةٍ فَوقَ تُرابِكَ
تُعيدُ لِلرّوحِ
نَبضَها الأَوَّل
أَنتَ لَستَ مَكانًا
أَنتَ قَدَرٌ
يَمشي في الدَّم
ونَجمَةٌ
كُلَّما أَظلَمَ اللَّيل
ازدادَت وُضوحًا.
