ما الفرقُ بينَ أن تعرفَ الشيءَ ، وأن تعتقدَ أنَّك تعرفُه ؟
هل نحن نعرف ما نعتقد أننا نعرفه ؟
كثيرًا ما يظن الإنسان أنه يعرف ، لا لأنَّه امتلك الحقيقة ، بل لأنَّه ألِفَ فكرةً حتى غدت في عقلِه حقيقةً لا تقبل النقاش ؛ وهنا تكمن إحدى أخطر مشكلات العقل البشري : أن يختلط اليقين بالوهم ، وأن يتخذ الجهل هيئة المعرفة ، فيصبح المرء أشدَّ تمسكًا بما لا يعلم من تمسكه بما ثبت لديه بالدليل والبرهان .
فما الفرق بين أن تعرفَ الشيء ، وأن تعتقد أنَّك تعرفه ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المعرفةُ ليست مجرد معلومةٍ تستقر في الذاكرة ، ولا فكرة تتناقلها الألسنُ حتى تصبح مألوفة ؛ إنَّها رحلة تبدأ بالسؤال ، وتمر بالبحث والتمحيص ، ولا تكتمل إلا بقدر ما نملك من الأدلة التي تسند ما نعتقده .
أما الاعتقاد فقد يكون صوابًا وقد يكون خطأً ، وقد ينشأ من تجربة محدودةٍ ، أو رواية سمعناها ، أو بيئة نشأنا فيها ، أو رأي تكرر أمامنا حتى ظنناه حقيقةً لا يأتيها الباطل .
ولعل أخطر ما يصيب العقل أن يعتاد الفكرةَ ، فيظن أن اعتياده عليها دليل على صحتها .
فكم من معلومة شائعة لا أصل لها ، وكم من حكاية زادتها الألسن حتى اكتسبت في أعين الناس ثوب الحقيقة ! إن التكرارَ قد يمنح الفكرة ألفةً ، لكنه لا يمنحها صدقًا ، وكثرة المؤمنين برأي لا تجعله بالضرورة صحيحًا .
ولماذا نتمسك أحيانًا بأفكارنا حتى بعد ظهور ما ينقضها ؟
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
لأن الإنسانَ لا يدافع دائمًا عن الحقيقة ، بل قد يدافع عن صورته أمام نفسه وأمام الآخرين .
فالاعتراف بالخطأ يحتاج إلى شجاعةٍ ؛ إذ يضطر المرء إلى مراجعةِ أحكامه ، وربما إلى التخلي عن قناعات رافقتْه سنوات طويلة .
وبعض الناس يفضّلون الاحتفاظَ بخطأ مألوفٍ على مواجهة حقيقة تفرضُ عليهم إعادة النظر في أنفسهم .
ومن هنا تظهر قيمة التفكير النقدي ؛ لا بوصفهِ اعتراضًا على كل شيء ، ولا شكًّا يهدم كل يقين ، بل بوصفه قدرة على التمييز بين الدليل والادعاءِ ، وبين الحقيقةِ والانطباع ، وبين ما نعرفه حقًا وما نظن أننا نعرفه ؛ فالعقل الواعي لا يرفض الفكرةَ لمجرد أنَّها غريبة ، ولا يقبلها لمجرد أنَّها مألوفة ، وإنمَا يسأل : ما الدليل؟ وما مصدر المعلومة ؟ وهل توجد شواهد أخرى تؤيدها أو تنقضها ؟
وقد لخّص القرآنُ الكريمُ مبدأ التثبت في قوله تعالى :
﴿ وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا. ﴾ سورة الإسراء، الآية 36 .
إنَّها دعوةٌ إلى ألا نجعلَ السماع علمًا ، ولا الظن يقينًا ، ولا الانطباع حكمًا نهائيًا ؛ فليس كل ما يصل إلى آذاننا يستحق التصديق ، وليس كل ما يستقرُّ في عقولنا قد اجتازَ امتحانَ الحقيقة .
ثم إنَّ كثرة المعلومات لا تعني بالضرورةِ كثرة المعرفة ، فنحن نعيش في زمن تتدفق فيه الأخبارُ والآراء من كل اتجاهٍ ، حتى بات الوصولُ إلى المعلومة أسهل من أيِّ وقت مضى ، لكنَّ التحققَ منها أصبح ضرورة لا غنى عنها ، فقد يحمل الإنسان في ذاكرته آلاف المعلومات ، ثم يعجز عن التمييز بين الصحيح والزائف ؛ بينما قد يعرف آخر أقلَّ ، لكنه يحسن السؤال ، ويميز المصادر ، ويعرف متى يقول : لا أعلم .
وليس قولُ «لا أعلم» نقصًا في العقلِ ، بل قد يكون أولَ أبواب المعرفة ، فمن أدرك حدودَ علمه عرف موضع حاجته إلى التعلُّم ، ومن توهّم الإحاطة بكل شيء أغلق على نفسِه الطريق إلى الاكتشاف .
وما أعظم الفرق بين إنسان يسأل ليصل إلى الحقيقة ، وآخر يسأل ليجدَ ما يؤكد رأيه فحسب !
إنَّ المعرفة الحقيقية لا تجعل الإنسان أكثر غرورًا ، بل أكثر تواضعًا أمام اتساع المجهول ، فكلما اتسعت آفاق العلمِ ، أدرك المرءُ أنَّ ما يجهله أكبر ممَّا يعلمه ، وأنَّ الحقيقة لا تتغير لتوافق رغباته ، ولا تستأذن قناعاته قبل أن تظهر .
فلنراجعْ أفكارَنا كما نراجع معلوماتنا ، ولنمنح الدليلَ مكانة أعلى من العاطفة ، والحقيقة منزلة أرفع من الانتصار للرأي .
فليس العيب أن تكتشف يومًا أنك كنت مخطئًا ؛ العيبُ أن ترى الدليل أمامك ، ثم تختار الخطأَ لأنك اعتدت أن تسميه صوابًا .
ويبقى السؤال الذي يستحقُّ أن يطرحه كل واحد منا على نفسه :
كم فكرة ندافع عنها اليوم لأنَّنا تحققنا من صحتها ، وكم فكرة أخرى ندافعُ عنها لمجرد أنَّنا لم نفكر يومًا في اختبارها ؟
فربما لم تكن حاجتُنا الكبرى إلى مزيدٍ من المعلومات ، بل إلى شجاعةٍ أكبر في مراجعة ما نظن أننا نعرفه .
#فهد #معرفة #مجتمع
@المتابعون
1 مشاركة36 مشاهدة