نص للشاعر علاء جانب
أكاد أسمع من جدرانها نغما…
شدا كأن شتاءً بالحنين همى
والجنّ ترقصُ في روحي على زجلٍ
والشعرُ يقتات عمري خافقا ودما
فـمن ثلاثين عاما قد تركت هنا …
قلبي .. وطرتُ فما حدّت رؤاي سما
وكلَّ سبتمبرٍ قلبي يجاذبني..
لكي أعود لأمي.. جيرةً وحِمى
تلك التي هيأتني ذات أمسية..
وقالت اخرج لهم ناشدتك الرحما
هُنا بزغتُ .. من القاعاتِ تنظرني
ستّ اللغات .. وتعطي للفؤاد فما
حتى كبرتُ وأحلامي تُطيّرني…
وصار مهْرُ خيالي يسبق الحلما
أنا لسانك يا أمي إذا ابتدروا..
جعلتهم تحت معنى تحتهم عدما
قالوا : الأقاليم .. وامتصوا مشافرهم…
فقلتُ: حطّمتُ في أذهانكم صنما..
إن كان في مثلها مثلي فقد برئت
مني القوافي .. التي عودتها الشمما
أو قيل في مثلها شعري فحُـق لها..
ألا تقوم.. ولي أن أكسر القلما
أذِّن على بابها الشرقيّ في طرب
يا سادن الدار.. دامت دارُكم حرما
منك ابتدأتُ.. ولي في كل زاوية..
نصرٌ رفعتُ على أعقابه علما
هنا تعلّمتُ أن الأرض تنصفني
وأن نظرةَ شيخٍ تهزمُ الألما
وأن سادة دنياهم إذا ارتفعوا..
كانوا لإخوانهم من حبّهم خدما
كأنني وأصيحابي وقد لمعت ..
فينا الأماني شموس في بلاد عمى
يا كم قطعنا طريقا في محاضرة…
وكم نقاشٍ لنا من حولها احتدما
وكم أقمنا صلاة حين حرّكنا ..
وقت الصلاة وكم من مصحف خُتما
يا أصدقاء شبابي أين صحبتكم ..
عصر المدينة .. أو في صحبة العلما..
هل صمّموك كأسرار البلاغة أو
فيك الدلائل تبني سرّها هرما؟!
مبنى كأن كتابا في تسلسله …
أو قل قصيدة شعر تشبه الحلما
لمّا دخلناكِ .. أدخلناك أضلعنا..
فكنت ماءً .. وكنا والقلوبُ ظما
وكان لاسمك في اللوحات بوصلة..
تشد أقدامنا كي تصعد القمما
فلا نرى فيك إلا فتيةً وقفوا ..
على النجوم وفيها أشعلوا الهمما
وما نرى غير أستاذ كأنّ أباً..
وريش أولاده من جانحيه نما
أشمك الآن يا أركان ذاكرتي …
وفيك من رفقتي من ألقوا السلما ..
في ذمة الله من وافى منيته..
من الرفاق .. وأبقى الله من سلما
يا للأماكن .. من أرواحنا شربت …
وأسكرتنا دماً .. واستوثقت ذمما
فلم تزل في حنايا القلب ساكنة..
كالنور يطرد من أرواحنا الظُلَما
أشم رائحة الأيام في كتبي…
مثل الحبيبين والأشواق بينهما
وما أزال عليها الليل منكفئاً…
آتي على السطر بعد السطر ملتهما …
فيخرج المتنبي كي يحاورني …
فيما يظلّ ابن جني مقلقا برما ..
أرى الخليل من الأستار ينظرنا
ونحن نرفع من بنيانه إرما..
يخطّ من "عينه" عينا ويترعها
من الفصاحة حتى عرّب العجما
وهاهنا قرّ عينا حين صادفني
مستفعلاً فاعلاً مستعليا عرما
أروّض الشعر كالخيل الحرون إذا
ثارت على القيد حتى عضت اللجما
وسيبويهَ يقوم الآن عن كثبٍ
فخم الجلوس فخورا بالذي رسما
وذا السيوطيُّ جاء الآن يحضرنا
أسنى الجبين قرير العين منسجما
يقول : يا رب أولادي فكن معهم..
فإن حبك من أكبادهم طعما
يا صاحبيّ قفا بي عند مدخلها ..
وأيقظا لي من الأيام ما انصرما..
قالا : أتترك فيها حب ثانيةٍ..
قلتُ اتركاني وحيدا لا أبا لكما
هذي لتلك كأم ترفع ابنتها..
قدرا وتعلى لها بين الورى قدما
وكلّ كلية للضاد قائمةٌ…
فنحن أبناؤها نرعى لها الذمما