بوصلة الفهم بين العقل والشرع
تبدأ حضارات الأمم يوم يبلغ الفكر مبلغ الرشد فيتخلص من أقياد التقليد ويسعى لبناء واقع إنساني
يقوم على العدل وعمران الأرض. وإن القراءة و المطالعة لم تكن يوما مجرد ترديد حرفي للسطور بل هي جذوة إعمال العقل في نص الوحي المكتوب وفي كتاب الوجود المخلوق. لقد تنزلت الأوامر الإلهية الأولى لتوقظ فكر الإنسان وتدعوه إلى التأمل والاعتبار كما قال سبحانه: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24] فتدبر الخطاب هو المفتاح الذي يكسر أغلال الجمود ويعيد للروح بصيرتها الصافية.
إن فتح المساحات للحوار المنظم ومناقشة المنتجات الفكرية في أوساط أهل الرأي يسكب الهدوء في الفضاء المعرفي ويستل الشبهات بلطف الحجة وبيان البرهان. غير أن هذا الانفتاح المحمود يحتاج دائما إلى بوصلة ضبط تصون الحدود فالعلم كالمعلم الشامخ لا يستقيم إلا بمناهجه وقواعده. حين يتحول النقد إلى مسار عقلاني رصين يصبح أداة تنقية للمفاهيم وتمييز للأصالة عن الخرافة أما حين يسقط في العشوائية فيصبح بابا للتشتت والضياع.
ومن هنا تتجلى حقيقة أهلية الخوض في امور الدين إذ إن استنباط الأحكام وفهم مقاصد القرآن والسنة النبوية المطهرة صناعة علمية دقيقة تشترط لها المعرفة العميقة والفراسة الإيمانية والإحاطة الشاملة بلغة العرب وأصول الشريعة. لقد حذر النبي ﷺ من تسنم غير الأكفاء لمناصب التبيين والقضاء فجاء في الصحيحين عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ لاَ يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزَاعاً يَنْتَزِعُهُ مِنَ العِبَادِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يُبْقِ عَالِماً اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤُوساً جُهَّالاً، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا» [رواه البخاري ومسلم]. إن هذا الحديث الشريف يرسم الحدود الصارمة لحماية الفكر الديني من خطر التسطيح والادعاء.
وقد أرسى القرآن الكريم أدب الرجوع إلى ذوي التخصص مبينا أن السلامة المعرفية تنتج عن التثبت لا عن العجلة كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]. إن حراسة الدين من عبث العابرين تقتضي احترام هذا التخصص الذي يصون المعرفة من الاجتهادات المبتورة فيبقى النص الإلهي منارة هداية ونورا يهدي إلى العدل والإنسانية...
وختاما إن استنهاض العقل وإعادة قراءة التراث ومساءلة المفاهيم التاريخية والاجتماعية كلها ضرورات ملحة لبناء وعي حضاري إنساني سليم. غير أن هذا الانفتاح الفكري يظل عقيما بل ومضرا إن تحول إلى مباحث عشوائية يخوض فيها من ليس لها بأهل. فالعلم بالدين وفهم القرآن وتأمل السنة النبوية المطهرة وحراسة النصوص من التأويلات السطحية كلها مهام جسام تتطلب أهلية حقيقية تجمع بين العلم الراسخ والفراسة الواعية التدين الحي والإحاطة الشاملة بأصول الشريعة ومقاصدها. إن حماية الدين من عبث العابرين واستسهال المتاجرين بالعقول تقتضي منا احترام التخصص والإنصات لأهل اليقين والبصيرة لتبقى المعرفة الدينية منارة هداية وعدل لا أداة للتشتت والضياع...
هشام بلعروي الجزائري
#ترانيم_الحروف #حدث_في_مثل_هذا_اليوم #رسائل #فكر_وإبداع #أدب_وثقافة #تدبر_وفكر
#تراث_وهوية
@المتابعون #مجتمع #مجتمع_عام #شعر #أدب

40 مشاهدة