أميرةُ الغياب
اميرة الغياب
خاطبتُ الورقَ... فتألّم
نبضةٌ عندي ونبضتانِ عندكِ،
والترحالُ في دربِ الشاماتِ أين ينتهي؟
كلما اهتديتُ إلى واحدةٍ
أيقظتْ في أصابعي طريقًا إلى أخرى،
والعمرُ يفرُّ من بين أصابعي.
الدنيا داخلي تُقيمُ الأفراحَ
إذا لاحتْ شمسُكِ فوقَ جبهتي،
وأعلمُ أنَّ شمسَ الشتاءِ خدّاعة،
لكنَّ كتفَكِ حين يميلُ نحوي
يُربكُ ذاكرةَ الفصول،
وتنسينَ للحظةٍ
أنَّ النافذةَ مفتوحةٌ على البرد.
أمواجُكِ القريبةُ من فمي
تُبلّلُ حوافَّ اليقين،
وأظلُّ على شاطئكِ
أمدُّ يدي إلى موجةٍ
فتعودُ أصابعي وفيها شيءٌ من ارتجافكِ،
وشكٌّ يحاصرُ معصمي الضعيف.
كيفَ أكتبُ بكحلٍ يعاتبني
كلما
رسمتُ حبّاتِ الكرزِ سوداءَ،
وأنتِ تتركينَ أثرَ أحمرِ الشفاهِ
على حافةِ فنجانكِ،
ثم تديرينَه قليلًا
حتى تختفيَ العلامةُ عن عيني،
ولا تختفيَ عن ذاكرتي.
حتى الآهاتُ في صدري سوداءُ،
لكنَّ شفتيكِ
تُربكانِ لونَ المساء.
كيفَ يندلقُ حبري
وأنا أشتهي الصمتَ
حينَ تبدأُ أناملُكِ في إعادةِ
ترتيبِ الشيبِ في لحيتي،
وتتوقفُ إحداها عند صدغي
أطولَ مما ينبغي،
ثم تنسحبُ ببطءٍ
وتنشغلينَ بخاتمكِ،
تديرينه حولَ إصبعكِ
كأنَّ الذهبَ ضاقَ فجأةً
بسرٍّ صغير.
أريدُ الصمتَ مفتاحًا لخسارتي أمامكِ،
كلما أردتُ أن أقولَ: أحبكِ...
تباغتني عيناكِ بقولها: كفى،
أنتَ الصديقُ المقرّبُ،
وأنتِ تصلحينَ ياقةَ قميصي
وتعيدينَ طيَّ طرفِها
بعد أن استقام،
ثم تتركينَ الزرَّ الأخيرَ
معلّقًا بيننا،
والبقيةُ تأتيكَ
في سردابِ أحلامكَ...
كيفَ أتركُ القلمَ يخاطبُ الورقَ
والقلمُ في راحتكِ يرسمُ فراغًا،
تحدّدينني نقطةً فيهِ،
ثم تقذفني إلى رحابِ الورقِ الفسيح،
وأنتِ تُبقينَ راحةَ يدكِ مفتوحةً
لحظةً بعد رحيلي،
ثم تجمعينَ أصابعكِ
على شيءٍ لا يُرى.
أضيعُ بينَ لهفتي وحياةٍ
تمنيتُ لو كانتْ أبعدَ من هذا الخيالِ
الذي تسجنينني فيه،
وأنتِ كلما اقتربتِ
أفلتتْ من شعركِ خصلةٌ
واستقرّتْ عند عنقكِ،
فتعيدينَها خلفَ أذنكِ
ثم تعودُ إلى مكانها،
كأنَّ للمساءِ يدًا خفيّةً
تعبثُ بترتيبكِ.
تسحبينَ الكرسيَّ قليلًا
ثم تعيدينَه إلى موضعه،
وتسألينَ عن موعدِ عودتي
بينما تنشغلُ عيناكِ بفنجانكِ،
ويظلُّ فنجاني دافئًا
بعد أن بردَ فنجانكِ.
أمنيةُ قبلةٍ تسقطُ على فمكِ دفعةً واحدةً،
وقبلةٍ أخرى
تتركُ على حافةِ الصمتِ سؤالًا،
ثم أسقطُ في يديكِ
نجومًا تفتحُ دربًا
لأملٍ بمدينةٍ لا يسكنها
غيرُ قيثارتي وخصركِ النحيل،
وفي آخرِ الليلِ
حينَ تخلعينَ أقراطَكِ
وتضعينها قربَ فنجاني،
تظلُّ إحداها معلّقةً بحافةِ الضوء،
كأنَّ الليلَ لم يكتملْ بعد،
وكأنَّ للغيابِ أذنًا صغيرةً
تنتظرُ وقعَ خطواتي.
أحمد عادل
#شعر
@المتابعون
#نثر #مجتمع #لآلئ_اليوم #اللغة_العربية

30