يأتي السلام متأخرًا؛ يصل بعد أن يبرد المكان، وبعد أن يتعلّم الركام الصمت. يأتي مكويًا، معطّرًا، نظيف الحواف، كأنه لم يمرّ من هنا أصلًا، وكأنه لم يرَ الخيمة التي تُثبّت ليلها بدبوس، ولا الطابور الذي طال حتى صار عمرًا، ولا الجوع الذي نسي الأسماء من شدّة التعب. يمرّ السلام فوق كل ذلك دون أن ينحني، لا ليمنع السكين، بل ليقنع الجرح أن يلتئم وحده، وأن يخفض صوته احترامًا لصورة «متحضّرة». ذلك السلام ليس خبزًا، ولا ماءً، ولا سقفًا؛ إنه ممحاة تمسح الأثر بعناية، وتترك السبب يعمل في الظلّ. ومن يرفعه اليوم هو نفسه من سمح للكارثة أن تطول بالصمت، وبالميزان البارد، وبوعد يُؤجَّل كلما اقتربت النجاة. فالسلام، إذا جاء بعد الجريمة ليغلق الملف، ليس سلامًا؛ السلام أن تُمنع الجريمة أصلًا، وأن يعود الإنسان إنسانًا، لا خبرًا، ولا رقمًا، ولا تفصيلًا مؤسفًا في هامش هذا العالم.
#نثر