من أعجب أحوال النفس البشرية أن يتّسع نصيب الإنسان من الدنيا، وتزداد بين يديه أسباب الراحة والنعمة، ثم يظلّ يشعر أن شيئًا ينقصه، وأن ما بلغه أقلّ مما يستحق، وأن السعادة تنتظره دائمًا في أمر لم يحصل عليه بعد.
يطلب الشيء ويتعلّق به، فإذا ظفر به خفّ بريقه في عينيه، وانتقل شوقه إلى غيره، حتى تصبح حياته سلسلة من الرغبات التي لا تنتهي، والغايات التي تفقد قيمتها بمجرد الوصول إليها.
وهنا يظهر الفرق العميق بين الغنى بما نملك، والغنى بما تستقرّ عليه نفوسنا.
قال رسول الله ﷺ: (ليس الغنى عن كثرة العَرَض، ولكن الغنى غنى النفس) (متفق عليه).
فقد يملك الإنسان القليل ويعيش مطمئنًا شاكرًا، وقد يملك الكثير ويظلّ أسير المقارنة والتطلّع إلى المزيد. والفرق بينهما في قدرة القلب على إدراك النعمة، والشعور بالكفاية، والتحرّر من سلطان الرغبة المتجدّدة.
القناعة لا تمنع الطموح، ولا تُضعف السعي، وإنما تمنح الإنسان القدرة على الاستمتاع بما آتاه الله، والسعي إلى ما يرجوه دون أن يجعل سعادته رهينةً لما لم ينله.
ومن أعظم ما يحتاج الإنسان إلى تعلّمه أن يعرف متى يقول لنفسه: يكفيني ما عندي، وأن يشكر ما وصل إليه قبل أن يستغرقه التفكير فيما لم يصل إليه.
فبعض الناس تُفقرهم قلّة الموارد، وبعضهم تُفقرهم رغبات لا تعرف حدًّا؛ وكلما اتّسعت دنياهم، اتّسعت معها مساحة الشعور بالنقص.
وما أشدّ فقرَ من امتلأت يداه بالنعم، وبقي قلبه عاجزًا عن الشعور بالغنى؛ وما أعظم غنى من رزقه الله نفسًا تعرف قيمة ما أُعطيت، وقلبًا يحسن الشكر والاكتفاء. #مجتمع_عام