"و كم تمنيت لو أنني أستطيع مغادرة أفكاري مثلما أغادر مكاناً لا أشعر فيه بالارتياح...
أن أخرج من رأسي كما يخرج الغريب من مدينةٍ لم يجد فيها سوى الوجوه التي نسيها،
أن أغلق خلفي باب الوعي،
وأترك اسمي، وذاكرتي، وكل تلك الأسئلة التي تكاثرت في داخلي حتى صار لها ظلٌّ أثقل من جسدي.
لكن أين يذهب الإنسان حين يكون المكان الذي يريد الهرب منه... هو نفسه؟
أيُّ بابٍ يمكن أن أطرقه
إذا كانت الجدران مبنيةً من أفكاري،
والمفتاح مدفوناً في يدي،
والسجّان يسكن خلف عينيّ؟
أحياناً أشعر أنني لا أعيش حياتي،
بل أراقب شخصاً يشبهني يعيشها من بعيد.
أراه يستيقظ،
يتحدث، يبتسم، يحب، يكره،
ثم يعود في الليل إلى جسدي
ويترك لي مهمةً سخيفة اسمها:
أن أبدو بخير.
وما أغرب الإنسان...
يمضي نصف عمره محاولاً أن يصبح نفسه،
ثم يقضي النصف الآخر محاولاً النجاة منها.
ربما نحن لا نكبر،
ربما فقط تتراكم فوق أرواحنا طبقاتٌ من الخيبات
حتى ننسى شكل الإنسان الذي كنا عليه قبل أن نعرف العالم.
كل شيء فينا قابل للكسر،
حتى الأشياء التي نظنها صلبة.
اليقين مثلاً...
قد تكسره جملة واحدة.
والحب...
قد تقتله لحظة صمت.
والثقة...
قد تحتاج سنوات كي تُبنى، وثانيةً واحدة كي تتحول إلى رماد.
وأما الذاكرة،
فهي أكثر الأشياء وحشية.
لا تحفظ ما نريد،
بل تحفظ ما يؤلم.
تترك ألف يومٍ جميل يسقط من ذاكرتنا بلا مقاومة،
ثم تحتفظ بنظرةٍ واحدة،
بكلمةٍ واحدة،
ببابٍ أُغلق في وجهنا منذ سنوات،
وكأن الزمن كله لم يُخلق إلا ليعيدنا إلى تلك اللحظة.
ربما الزمن كذبة اخترعها الإنسان
حتى يقنع نفسه أن الأشياء تبتعد.
لا شيء يبتعد.
الأشياء التي حدثت لنا لا تنتهي،
إنها تغيّر مكانها فقط.
تغادر العالم
وتنتقل إلى الداخل.
لهذا قد تجلس هادئاً بعد عشر سنوات
ثم ينهار شيءٌ فيك فجأة،
دون سببٍ واضح،
لأن الماضي لم يكن خلفك أبداً...
كان ينتظر في غرفةٍ مظلمة داخل رأسك.
وأحياناً أتساءل:
هل نحن من نملك أفكارنا؟
أم أن أفكارنا هي التي تستخدمنا كي تستمر؟
من قال إن الصوت الذي في رأسك صوتك أنت؟
ربما هناك آلاف النسخ منك تتحدث في الظلام،
نسخةٌ تريد أن تنسى،
وأخرى تريد أن تنتقم،
وأخرى ما زالت تنتظر شخصاً لن يعود،
وأخرى تقف أمام قبر أشياء لم تمت بعد،
وتبكي عليها.
وربما الجنون ليس أن تسمع أصواتاً كثيرة...
ربما الجنون الحقيقي
أن تسمع صوتك الوحيد
وتصدقه.
لقد قضيت وقتاً طويلاً أحاول أن أفهم نفسي،
ثم أدركت أنني كلما اقتربت منها
وجدت متاهةً جديدة.
فقررت أخيراً ألا أفهم.
بعض الأشياء إذا فهمتها ماتت،
وبعض الجراح لا تحتاج تفسيراً،
تحتاج فقط إلى مكانٍ آمن تنزف فيه.
أنا لا أريد الشفاء تماماً.
أخشى أن أشفى
فأفقد آخر شيء يربطني بالشخص الذي كنتُه.
أخشى أن تصبح كل تلك الخسارات بلا معنى،
أن تتحول كل الليالي التي قضيتها وأنا أتساءل "لماذا؟"
إلى مجرد عابرٍ في سيرة رجلٍ لم يعد يعرفه.
لذلك أحتفظ ببعض ندباتي،
ليس حباً بالألم،
بل خوفاً من أن أصبح شخصاً
لم يحدث له شيء.
فما نحن، في النهاية،
إلا مجموع الأشياء التي نجونا منها؟
وإذا نزعتَ مني كل ما كسرني،
فماذا سيتبقى مني؟
ربما لا شيء.
ربما الإنسان ليس ما بناه،
بل ما تبقّى منه بعد الحريق.
ولهذا...
كلما ظننت أنني انتهيت،
وجدت في داخلي رماداً دافئاً.
أحمله معي.
لا أعرف إن كان هذا رماد موتي
أم بقايا شيءٍ في داخلي
يرفض أن يموت.
لكنني أعرف شيئاً واحداً:
لم أعد أبحث عن مخرج.
لقد جلست طويلاً أمام أبوابٍ كثيرة،
ثم فهمت متأخراً
أن بعض المتاهات لا تُبنى كي تخرج منها...
بل كي تكتشف
أنك كنتَ أنت المتاهة منذ البداية.
وكم هو مرعب
أن يقضي الإنسان عمره كله
وهو يبحث عن نفسه...ثم يجدها.🕯💔
- ༺𓆩 شـظـايـآ آلـرمـآد 𓆪༻ 📚.
#شظايا_الرماد#فلسفة#خواطر#حزن#أفكار#وجع#اقتباسات#وعي