
“فلمّا كنتُ في الحادية والعشرين من العمر فتحتُ بابَ المكتبة وأغلقت باب الدّنيا ورائي

في ذِكرى وَداعِ قَليب
إِنّي لَأَكتُبُ إِلَيكَ يا جَميل رسائِلي وَأُرسِلُها إليك مَعَ أَنينِ أقلامي لَعَلَّكَ تَستَطِبُ بِها.
لَقَد سَمِعتُ بِمُصابِكَ، وَثِقلَ حِملكَ، وَكبر وِزكَ فَتَحَرَّكَ خاطِري وَاحتَرَقَت نَفسي، فَما بَرِحتُ أَن أَنساكَ حَتى تَمَزقَت آخِرُ رسائِلِكَ فَتَذَكرتُك.
وَالآنَ اشتاقُ إِلى زِيارَتِكَ لَكِن حال بَيني وَ بَينَ ذاكَ الشَيطان الرَجيم فَأَعوذُ بِاللَّهِ مِنهُ وَمِن شِراكِهِ.
يا قَليبُ: أَما وَاللَّهِ إِنَّ الجَوى قَد أَحرقَ كَبَدي، وَأَدمغ الحُزنُ السعادةفي كِياني. أَلَم يَحن وَقتُ اللِقاء أَم لِلِقياكَ أَلفُ سَبَبٍ وَسَبَب.
فإنِّي رأيتُ الأدباءَ قد أكلَ بعضُهم بعضًا بألسِنةٍ كظَهرِ المِبرَد، وتشاحَنوا بينهم للكلمةِ التي لا تَرفعُ ولا تضع، وتَنابَذوا على الأهواءِ الغالبةِ المُستكلبة، ومَن كان ذلك هِجِّيراهُ ودَأبُه، فهو عند النقدِ أو الاعتراضِ كالوحشِ الجوَّعِ الغرثانِ قد أُجهِضَ عن أشلاءِ فريسَتِه، يكادُ يَنقدُّ عليه إهابُهُ من الغيظِ والحِقدِ والرغبةِ في الإيقاعِ بمَن يَصرفُه عن أحلامِ مَعدتِه. وهذا أسوأُ الخُلُقِ وأبعَدُه عن صريحِ نَهجِ الأدب، وأقلُّه غَناءً في تهذيبِ الأديب، وما أظُنُّ أنَّ في الدنيا العاقلةِ أديبًا تُخَيِّلُ له أوهامُ "العبقريَّة" الطائفةِ به أنه قد سبقَ السهوَ والخطأَ وبقيَ النقدُ والنُّقّادُ وراءهُ لَقًى يَتلوَّذون بظِلالِه -في طلبِ البركة!
[منهجي في هذا الباب || جمهرة المقالات]