الجزائر التي خبّأت شمسها في بندقية
في تلك الليلة...
استيقظت جبال الأوراس قبل أن يولد الفجر، وراحت تفتش في جيوب الغيوم عن مفاتيح باب لم يكن له قفل.
كانت #الجزائر تنام بعين مفتوحة، وتخبئ في الأخرى خريطة من دموع لا تعرف أسماء أصحابها.
في الشوارع، كانت الأشجار تميل نحو المقابر، وكانت المقابر تردّ صدى خطوات الذين لم يعودوا.
أما الريح، فكانت تمرّ على البيوت، تنادي الرجال بأسمائهم، ثم تمضي حاملة أصواتهم بين أغصان الزيتون.
قالت بندقية عجوز لجبل الأوراس: ـ
لماذا ترتجف؟
أجاب الجبل: ـ
لا أرتجف، إنني أحاول أن أتذكر كيف كان ظهري قبل أن تحفظ الصخور أسماء الرصاص.
وفي مدينة الجزائر، كان البحر يضرب الميناء بموجه، كأنه يريد إيقاظ السفن النائمة تحت رايات غريبة.
وعلى الأرصفة، كانت الظلال أطول من أصحابها، وكان كل ظل يبحث عن وطن لم يعد يتسع لأبنائه.
رجل يحمل رغيفا، كلما اقترب به من فم طفل تحوّل إلى خريطة، وكلما اقترب من جندي تحوّل إلى حجر.
لم يفهم الرجل سرّ الرغيف، حتى رأى الطفل يلتهم أطراف الخريطة، فعرف أن الجوع يستطيع أن يأكل الوطن قبل أن تأكله الحروب.
وفي بيت عند سفح الجبل، كانت امرأة تجمع أسماء الغائبين في سلة. وحين امتلأت، بحثت عن اسم ابنها فلم تجده، فأخرجت من صدرها آخر نبضة ووضعتها في القاع.
قائلة: ـ
لعلّه يعود يوما ليتعرف إلى دقات قلبه.
ثم مرّ الفجر من هناك، متعثرا بأسماء الشهداء.
لم يطلع من الشرق، ولم يأتِ من الغرب؛ خرج من شقّ صغير في صدر الجزائر، يحمل علما أخضر وأبيض، وفي وسطه هلال أحمر لم يستطع أن يبتسم دون أن يتذكر الدم.
وعبرت الريح البحر، تحمل معها حكاية الجبال وأسماء الغائبين، حتى وصلت إلى #اليمن.
هناك، وراء بحر لا يفصل القلوب، كان جبل يمني يصغي إلى الحكاية.
على سفحه، جلس شيخ يدخّن بصمت، فيما كانت الريح تقلب صفحات صحيفة قديمة تحمل خبر استقلال الجزائر.
رفع الشيخ رأسه نحو الجبل وقال: ـ
إذن، عادت الجزائر إلى أهلها!
لم يجبه أحد، لكن صخرة صغيرة تدحرجت من أعلى السفح واستقرت عند قدميه، كأن الجبل أرسل تحيته.
لم يكن الشيخ قد حمل بندقية في معارك الجزائر، ولم يعرف أسماء كل الذين سقطوا في #جبال_الأوراس، لكنه أدرك أن بعض الانتصارات تعبر البحار دون سفن، وأن للحرية قرابة لا تحتاج إلى جواز سفر.
ومنذ ذلك اليوم، كلما هبّت ريح من الجزائر، تحركت نافذة في بيت يمني، وكلما سقطت ورقة زيتون هناك، أصغى جبل هنا إلى صوتها وهي تلامس الأرض.
غادرت الجيوش، وأُغلقت أبواب المعسكرات، وعادت البنادق إلى صمتها.
لكن الجزائر لم تضع بندقيتها في المتحف تماما؛ فقد أبقتها معلّقة في ذاكرة الجبال، إلى جوار صور الذين رحلوا، حتى لا تنسى كيف وصلت الشمس إلى نوافذها.
ومع مرور السنوات، بدأت الشمس تسأل أبناءها عن الطريق الذي سلكته إليها.
كانوا يرفعون الأعلام، فيما ظلت بعض النوافذ مغلقة.
وفي اليمن، كان الشيخ قد شاخ، والصحيفة القديمة تمزقت أطرافها، لكن الصخرة التي تدحرجت من الجبل ظلت عند عتبة بيته.
لم يعرف أحد لماذا احتفظ بها.
ربما لأنها كانت قطعة من جبل هنّأ الجزائر باستقلالها، وربما لأنها كانت تنتظر يوما تسمع فيه خبرا آخر:
أن الأوطان لا تسترد شمسها مرة واحدة، وأن أصعب ما في الحرية أن تظل جديرة بها.
☀️ صباح الخير للجزائر وأهلها
#الثورة_الجزائرية #ثورة_المليون_ونصف_المليون_شهيد #ملحمة_التحرير #ذاكرة_الوطن #الجزائر_تاريخ_ومجد #تحيا_الجزائر #اليمن_والجزائر #أخوة_عربية
#غواص_المعاني
أغوص في بحر القراءة... لأعود بدرة.💎
@المتابعون

55
