مظاهر التفاعل بين الرواية والرسم والفن التشكيلي
🔹 حوار الرواية والفنون:
لم يعد السرد الأداة الرئيسية التي يعتمد عليها البناء الروائي؛ فقد انفتحت الأشكال الروائية على فضاءات واسعة من التجريب، باعتباره تجربة إبداعية قادرة على التعبير وفق ما تلائمه من أدوات فنية وخطابية ولغوية، بحسب ظروف الكاتب، والأفكار المتفاعلة في عقله، والمواقف المُحفِّزة له للفعل الروائي. وكثيرًا ما كانت الرواية حاضنة لقضايا مختلفة، استناداً إلى فنون وأجناس أدبية أُدمجت في بنيتها التكوينية؛ وبهذا المعنى، صارت العوالم التخييلية مقترنة بفنون الأدب والمسرح والتشكيل، ممّا صيّر النص السردي فضاءً إبداعياً يرتبط بالوجود الإنساني من زاوية تداخل الفنون التعبيرية داخل جنس سردي واحد.
إن الفن رسالة بوح وأداة ليلمس الفنان الجمال ويشعر به أينما وجد، لينثره حوله¹، والرواية بدورها وجه أدبي للبوح بما يختلج في صدر الكاتب من أحاسيس ومَشاهد ووصف؛ فهي تحاول تصوير الحياة وكأنها لوحة فنان، وعلى الرغم من خصوصية أدواتها، إلا أنها تتفاعل مع الفنون الأخرى كالرسم والتشكيل لتشكل توليفات فنية متكاملة تغذي بعضها دون أن يفقد أي فن تفرده واستقلاله؛ وهو تفاعل قائم على الحوار والتأثير المتبادل تحقيقاً للتكامل الإبداعي.
ومن الروائيين الذين نلمس التفاعل بارزاً عندهم بين السرد والرسم والفن التشكيلي؛ الروائي الجزائري "عز الدين جلاوجي"؛ فرواية "حائط المبكى" مشبعة باستحضار طقوس الفن والإبداع ودمجها ببنيتها السردية، ليعمّق هذا التداخل الأبعاد والدلالات.
🔹 السرد بالريشة:
يشكل نسق الرسم مرتكزاً سردياً لدى الروائي "عز الدين جلاوجي"، ورواية "حائط المبكى" عمل فني يضارع فن الرسم واللوحات التشكيلية؛ إذ عمد من خلال لغة السرد إلى التقريب بين المتخيل السردي و"طائفة من الفنون الجميلة التي سخرها لإشباع الشكل الجمالي والمضموني"²، جاعلاً من شخصيته المحورية فناناً تشكيلياً؛ فكان الرسم خلاصه الأوحد في هذه الحياة، يهرب به من الكآبة ويذيب به جليد الإحباط والانكسار، خاصة حين تستبد به الأحلام والأفكار فيحولها إلى لوحات تحرك القلم والفرشاة.
جعل الكاتب من لغته السردية ريشة ترسم لوحات فنية تسجل أحداث ووقائع الرواية المتسمة بالقلق والخوف ومجموعة من الهواجس والوساوس التي ظلت ترافق البطل طوال وحدات النص؛ فحالات الخوف من السفاح الذي ورطه في جريمته، إلى جانب ظروفه الشخصية والعائلية، كلها ضغوطات زادت من تأزم حالته النفسية وأدخلته في اكتئاب عميق، فلم يجد سوى منح ريشة الرسم وأداة السرد للبطل ليكون الفن متنفساً له لتفريغ طاقته الإبداعية وغضبه، إذ يقول الراوي: «وهرعت أنا إلى الفن أتسامى به عن الجراح»³، متخذاً من اللوحات وفضاء الفن حائط المبكى الذي يأويه ليبكي أحزانه وآلامه ويحتضن أحلامه، فهو يعترف قائلاً: «دُوَمًا كنت أتغلب على صعاب الحياة وخيباتها بالرسم، ألج محرابه لأتطهر من أدران الحياة ومآسيها، أصب في اللوحة كل آلامي وآمالي، كل أحلامي وانكساراتي، أقضي الأيام بلياليها في صومعتي هذه»⁴
1- بين الصورة الروائية والصورة التشكيلية:
يتشابه فن الرسام وفن الروائي تشابهاً تاماً؛ فمصدر الوحي فيهما واحد⁵، وعملية الإبداع في كل منهما هي نفس العملية مع اختلاف الوسائل، إذن الرواية مكون لغوي يستثمر فن الرسم مشكلا الصورة الروائية؛ فكل من اللوحة والرواية صورتان للحياة بإمكانهما استيعاب وتبادل وسائل التعبير.
تقوم الصورة اللغوية على التشكيل اللغوي بالألفاظ والعبارات والمعاني والخيال والعاطفة، وتعد مظهراً من المظاهر التعبيرية التي يوظفها المبدع ليعبر عن دوافعه وانفعالاته⁶
وقد تفنن الروائي "عز الدين جلاوجي" عبر اللغة في تشكيل صور لغوية فنية تجعل القارئ أمام لوحة من الإبداع والتخييل البصري للمشاهد بتفاصيلها، فهو يرسم صورة تجعل الإدراك بوساطة اللغة ممكناً؛ إذ تستعير اللغة في رواية "حائط المبكى" من البلاغة وسحرها وانزياحها، ويتجلى ذلك في قدرة الروائي وتمكنه من أسلوب الوصف كأداة لتأطير الأحداث، وتجسيد الشكل الفيزيقي للشخصيات، وبناء الأماكن. حيث يصادف القارئ العديد من اللوحات اللغوية المبنية على التعمق في تفاصيل الموصوف، ومن ذلك قول البطل:
«كان الجو رائقاً، بعض سحب متناثرة هنا وهناك، يراود بعضها البعض في حميمية عجيبة، تتعاشق ثم تتهاجر، كأنما تخط أروع معلقات الحب، شمس دافئة تتربع في عرش السماء فرحة مزهوة، البيضاء مرقعة بالخضرة وهي تمتد بدلال على شواطئ البحر، وهو يغسل قدميها كأنما يقدم قرابين الولاء، رحت انحدر إلى متحف باردو، تتهادى سمرائي عن شمالي وقد طوق ذراعها ذراعي، نحن الآن نخطو بثبات لتأسيس عشنا الحالم، أسابيع قلائل وتدوي أفراحنا في قلب البيضاء»⁷
تولت اللغة في "حائط المبكى" مهمة التعبير عن الألوان والخطوط والأشكال التي تتشكل وتتحرك في مخيال الكاتب، لتجسد في الأخير لوحة فنية تشكلها لغة السرد الواصفة استناداً إلى المعاني العقلية والعاطفية والخيال؛ وهذا ما رأيناه في لوحته التي يقول فيها:
«أربعة ألوان تتدرج في اللوحة الأخيرة: سواد يستوي في الأسفل يتداخل مع زرقة تتدرج حتى تصير سماوية باهتة... وفي الأعلى خضرة تكاد تستوي على العرش، لولا نقاط حمراء تبرق هاهنا وهناك. وتكاد اللوحة تشكل طبقتين يفصل بينهما خط رفيع من منمنمات مذهبة، يجعل اللوحة وأنت تتأملها من بعيد تبدو عروساً بحزام ذهبي بديع؛ في الأسفل مسحة حزينة باهتة، وفي الأعلى إشراق وفرح، كأنهما فصلا الشتاء والربيع وقد تجاورا تآلفا وتنافرا، تدهشك ضربات الريشة السريعة الراقصة، تبهرك نقاط الضوء المرتعشة اطمئناناً ورعباً، تهتز من أعماق أعماقك لتقول شيئاً، ولكنك لا تقدر أن تقول شيئاً، إنها فعلاً فوق القول»⁸
اختار الكاتب الرسم بالكلمات لتشكيل الصورة والتقاط تفاصيلها وتحديد أبعادها بالاعتماد على التكثيف الدلالي للكلمات، لترتسم في ذهن القارئ على شكل حيز يراه عبر خياله...
وشكلت "اللوحة اللغوية" -التي يمتزج فيها الرسم التجريدي مع المنمنمات- بعدها الشعري الخاص بها، حين مكنت البطل من البوح بدواخله، وتجسيد الحقائق التي تدور في عالمه الخارجي بطريقة غير مباشرة. تلك الحقائق التي تحمل دلالات مختلفة تعكس أفكاره وأحاسيسه ورؤيته الذاتية لثنائية (الحزن والفرح) التي تعبر عن شقي الحياة بآلامه وقلقه من جهة، وسعادة وفرح من جهة أخرى؛ فأما الشق السفلي فهو ألم وضياع، بينما الشق العلوي التفاؤل والأمل القادم. ومن ثم يتوسط الشقين اللون الذهبي ليعبر عن النمو العقلي والمعرفي وتمكنه من رؤية ألوان العالم على اختلافها وجمالها بعيداً عن اللونين الأسود والأبيض، لتتفاعل هذه الأبعاد الدلالية للوحة المتخيلة فنياً، لتنشئ جمالية بلاغية تغترف من الفن التشكيلي والخطوط والألوان مشكلة بلورة وعي تجريبي تصويري جديد، يلامس الكاتب من خلاله العواطف والأحاسيس ليجعل من تدرج الألوان تدرجاً سردياً للأحداث التي كانت بدايتها قلق واكتئاب يلفه السواد، ليسطع نور الفرح مع ظهور حبيبته "السمراء"
ينقل الكاتب الحدث للقارئ بعديد تفرعاته وكأنه مصور فوتوغرافي بارع، إذ استطاعت اللغة تصوير هذا المشهد رغبة منه في تشكيل صورة محتملة الإدراك وقابلة للاكتشاف والتأويل؛ أي ترتسم في ذهن القارئ ليراها عبر مخياله القرائي. وفي هذا المشهد، مارس "عز الدين جلاوجي" تقنية الرسم بالكلمات مستخدماً تقنيات اللوحة الفنية من إطار وخلفية المشهد المرسوم، مما يجعل من المشهد لوحة سردية تتداخل فيها اللوحة والكلمة لتتفاعل مشكلة وعياً بصرياً جديداً اقترنت فيه الفنون التشكيلية بالسرد..
2- جمالية الصورة البصرية (اللوحة التشكيلية):
لجأ الروائي إلى اعتماد لوحات فنية تشكيلية لفنانين عالميين، جاعلاً من شخصية روايته المحورية فناناً هاوياً للرسم، إذ يقول على لسان بطله: «أنصب اهتمامي مذ وعيت على التشكيل، مارست الرسم والنحت، وقفت طويلاً ممتلئاً إعجاباً أمام روائع الفن العالمي»⁹، وعليه يحاول الكاتب إبراز مدى اطلاعه وسعة معرفته بعالم الفن وأشهر مدارسه ومشاهير الرسم والمنمنمات والخطاطين أمثال: بابلو بيكاسو، عمر راسم، ابن مقلة، سلفادور دالي، تريستان تزارا وغيرهم..
تمتد مشاعر الخوف والقلق على طول وحدات النص، وكانت سبب بعدم تمكن الرسام من التأقلم في حياته والعيش بسلام وحرية بعيدا عن هواجس الجريمة التي ورطه السفاح فيها ليعيش في قوقعة من الخوف والوهم، وهذا نتيجة لعدم فهمه ما يدور في ذهنه من أفكار وهو يعترف بأنها:
«مجرد أوهام، إنها صورة للسفاح، تشبه إلى حد كبير قناع تريستان تزارا للرسام العالمي مارسيل جانكو، وهي تضرب عرض الحائط بكل القيم، لتستدعي الفوضى والعبث، لكن فمه المائل كأنه فم مشلول كان أقرب إلى الابتسامة الزائفة، وكان يرتدي نظارته السوداء كاملة، دون أن تفلح في سرق تعطشه للدماء. من يقف داخل القناع؟ ربما لا تعدو أن تكون حكاية السفاح إلا هلوسات لا معنى لها»¹⁰
فإلى جانب التشكيل اللغوي، تعمّد الروائي استحضار لوحة فنية للرسام العالمي "مارسيل جانكو" المتمثلة في "قناع تريستان تزارا". وقد جاء هذا الاستحضار بالارتكاز على الرؤى الحلمية واللامعقول الذي تجاوز واقع الرسام الذي بات يسيطر عليه الخلخلة والتشويه، وفي مقابل ذلك يلتقط القارئ من هذه اللوحة العبث والفوضى والرفض ليكون منفذاً للخروج والتحرر من عالم التوحش والجريمة الذي يقتل فطرة الإنسان وحبه للفن والتسامح..
لقد اختار الكاتب لوحات تتناسب مع الثيمات التي تشتغل عليها أحداث الرواية؛ إذ نجده يستثمر فن المنمنمات في سرده لوقائع وأحداث لقاءات البطل الرسام ومحبوبته السمراء –خريجة مدرسة الفنون الجميلة والمهووسة بفن المنمنمات–. ومن بين اللوحات التي استحضرها الكاتب لوحة "عمر راسم" المعروفة باسم "ليالي رمضان"، وعبر لغة الفن التشكيلي حرص الكاتب على لسان بطله الفنان على وصف هذه اللوحة، إذ يقول: «قبالتنا على الجدار استوت لوحة لعمر راسم، حرص فيها على إظهار أدق التفاصيل، فجمع بين منظر عمراني لمسجد العاصمة الكبير، وأمامه سوق تعج بالحركة وقد انخرط فيها كل الناس على اختلافهم حتى أطفالهم ونسائهم، وفي الخلف يترامى البحر رهْوًا وقد عج بالسفن، ورغم الدقة التي حرص عمر راسم على إظهارها في لوحته، إلا أن ألوانه كانت قاتمة حزينة، زرقاء وبنية وسوداء، مع سحاب مركوم فوق البحر، ولا إضاءة إلا ما انعكس من نور شمس مُودّع على قباب ومنارات بيضاء»¹¹
مما لا شك فيه أن الفنان "عمر راسم" من خلال هذه اللوحة يحاول بناء الذات الاجتماعية وسط المجتمع الجزائري وإظهار هويته الحقيقية، وكان الفن التشكيلي وسيلته لوصل الإنسان الجزائري بتاريخه وقضيته، وحضور هذه اللوحة المنمنمة في الرواية ما هو إلا دليل على أن الكاتب يفتح مجال الرؤية أمام القارئ ليطل على نافذة تاريخ الجزائر الأصيل والعريق بإظهار هويته وتراثه..
مجمل القول إن استثمار الروائي "عز الدين جلاوجي" لهذه المجموعة من اللوحات هو تأكيد أن الرسم والفن التشكيلي لغة إشارية تحتاج من القارئ فك شفراتها لاستنطاق دلالتها وفهم مغزاها، وقد شكلت هذه اللوحات ايقونات دلالية ذات أبعاد جمالية وفنية وسردية تجريبية ترجمت مشاعر واحاسيس الشخصيات في فصول الرواية وعبرت عن رؤية الكاتب فكان الفن هو وسيلته لحرية الكتابة والابداع
--------------------------
¹بشير خلف: الفنون لغة الوجدان (دراسة)، دار الهدى للطباعة والنشر، الجزائر، ط1، 2009، ص 137
²المرجع نفسه، ص 63
³عزالدين جلاوجي، حائط المبكى، منشورات المنتهى للطباعة والنشر، الجزائر، ط2، 2016، ص 72
⁴المصدر نفسه، ص 24
⁵هنري جيمس وآخرون: نظرية الرواية في الأدب الإنجليزي الحديث، تر: أنجيل بطرس سمعان، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، مصر، ط1، 1971، ص 72
⁶نادر أحمد عبد الخالق: إيقاع الصورة السردية، دار العلم والإيمان للنشر والتوزيع، مصر، ط1، 2011، ص 14
⁷حائط المبكى، ص 38
⁸ حائط المبكى، ص 102
⁹حائط المبكى، ص 56
¹⁰حائط المبكى، ص25
¹¹حائط المبكى، ص 88
#بيسان
#لآلئ_اليوم


1/2
8