بين غيمة وفأس
كان لقريةٍ وادعةٍ حكيمٌ لا يُرى إلا في كَنَفِ أرضه، يرعى شجرات الزيتون وكأنها صغاره. وفي يومٍ غائم، زاره رجلٌ من أهل الفصاحة والمقامات، ممن يزنون الكلام بميزان الذهب، ويُعرفون بحدة البصر وسلاطة اللسان.
وقف الجليس الأنيق أمام شجرة زيتون فتية، أشار بإصبعه المطرزة بالحلقة الفضية نحو أوراقٍ ذبلت واصفرّت، ثم قال بنبرةٍ لا تخلو من الجزم: "هذه الشجرة عليلة، وثمرها جفاء، وجودها في وسط هذا الحقل يعيب نضارة البستان!"
لم يبتسم الحكيم، ولم يغضب. حطّ فأسَه جانباً، ودنا من الشجرة ببطء، لمس الورقة الصفراء بين كفّيه الجافتين كأنه يواسيها، ثم جثا على ركبتيه يفحص التربة من حول جذورها، ورمق السماء بعينين ملؤهما الأمل وزمزم برفق: "أ تراها عطشى لمياه النبع، أم أن الأرض شحّت عليها ببعض العطاء؟"
التفت الحكيم نحو ضيفه وقال بصوتٍ هادئ كنسيم الصباح:
"يا صديقي، أيسرُ الأشياء أن تحكم على الغصن بالكسر، وأسهل المهن أن تصبح عرافاً للخراب. الناقد يقف بعيداً ليخبرك أن الشجرة تموت، أما الزارع فيحني ظهره ليسألها عما تحتاجه لتعيش. الأوّل يحاكم العيب ليثبت صواب رأيه، والثاني يداوي الخلل ليُحيي الأمل."
ثم سكب الحكيم دلو ماءٍ عند أصلها، ونزع عنها الورقة الميتة برفقةٍ ودعاء، مضيفاً: "الكلمة الصادقة ليست سهماً يُرمى ليتساقط الشجر، بل هي غيمةٌ تمطر حيث يجفّ الزهر."
ما أجمل أن نكون في حياة بعضنا كالمزارع؛ لا نكتفي بلمس الجراح لنقول إنها تؤلم، بل نضع عليها الضماد لنعلم أنها تشفى. #مجتمع #شعر #أدب #يوميات #خربشات_قاريء _شاعر

10 مشاهدة
