يوميات العز عبدالسلام السبئي
سيدة تبكي في زاوية المحكمة.. هكذا أبكى العبث لغتنا العظيمة!
ذهبْتُ يوماً إلى المحكمة فشهدتُ المعتاد والمألوف: قاضٍ يوثّق، وكاتب يدون، ومواطنٌ يقدم شكواه.. مشهدٌ قضائيّ روتينيّ لا غبار عليه.
لكنّ عينيّ التقطتا في زاوية القاعة ما لم تكن لترتاح له نفسٌ ولا ليطمئن له فؤاد؛ سيدةٌ طال بكاؤها حتى ابيضّت عيناها من شدة الدمع وحرقة الحزن. اقتربتُ منها بخطىً حذرة أسألها عن جلّ مصابها وقضيتها، فأجابتني بإجابة صاعقة أربكت عقلي:
— أنا القضية!
— وكيف ذلك؟
— أنا القضية، والقاضية، والشاكية، والمشكُوّ في حقها، والشاهدة، والمشهود عليها! باختصار: أنا الطرفان، والشهود، والقاضي الذي سيفصل.
ابتسمتُ مدركاً أنني أمام لغزٍ رمزيّ وداهيةٍ من دواهي الكلام، فقلت ساخراً بلطف: «إذن، لما لا تنهي القضية وتستريحي؟». فنظرت إليّ بأسىً وقالت:
— أرى قضاةً لا يجيدونني، وكُتّاباً لا يتقنونني، ومواطنين لا يعرفونني.. فكيف لي أن أرتاح؟!
وأشارت بإصبعها نحو منصة القضاء، حيث يحاول القاضي أن يتقمص لغة الضاد فيُملي على كاتبه بصوت مكسور: "اكتب: حصلت ماءً صافياً ولكن للأسف جَدو المليان جراثيم!"
فالتفتّ إليها مبرراً: «يا أماه، قاضٍ يتحدث العامية ويحاول التجمل بالفصحى فما المانع؟».
هنا نهضتْ غاضبةً، ونفضت عن ثوبها غبار الإهمال، وقالت بصوت يقطر ألمًا:
— ألم تتعرف عليّ بعدُ؟!
— لا.. ومن أنتِ؟
— أنا اللغة.. وهؤلاء أبكوني!
(القصة وإن وُلدت في رحم الخيال، إلا أن واقعها يدمي القلب)
حقاً وصدقاً.. لقد هجر الناس لسانهم الأصيل، واستبدلوا بالبيان الساحر لغةً هجينةً لا أصل لها ولا فصل، وتركوا لغة القرآن تذرف الدمع في زوايا الإهمال.
أن نقصر في حق لغتنا، فمعناه أننا نتخلى عن هويتنا، وجذورنا، وجمال بياننا. أفلا آن الأوان لننصفها؟
🖋️العز عبدالسلام السبئي
@المتابعون
#اللغة_العربية #لغة_الضاد #أدب #خواطر #هوية #قلم #العز_عبدالسلام_السبئي #مجتمع #شعر #أدب #متابعين #يوميات

47 مشاهدة