في مكتبتي...
حينَ ينحني الليلُ فوقَ كتفيَّ كراهبٍ عجوزٍ أنهكتهُ الصلاة،
أجلسُ وحدي.
وأمامِي مصباحٌ صغيرٌ يرتجفُ ضوؤهُ كشمعةٍ تُدركُ أنَّ الريحَ قادمة.
الكتبُ حولي صامتة،
صامتةٌ إلى درجةِ الألم
كأنَّها تعرفُ شيئاً لا أريدُ أن أعرفه،
وكأنَّها رأت من سقوطِ الأعمار ما يكفي لتفقدَ دهشتها إلى الأبد.
أمدُّ يدي إلى كتابٍ قديم
فتتساقطُ منهُ سنواتٌ كاملة.
سنواتٌ مرَّتْ بسرعةِ سربِ طيورٍ مهاجرة،
ولم تتركْ وراءها إلَّا ظلالاً باهتةً على جدارِ الذاكرة.
ما أقسى الليلَ حينَ يجلسُ الإنسانُ بينَ كلِّ هذا الحبر،
ولا يجدُ جملةً واحدةً تعيدُ إليه ما أخذهُ الزمن.
وما أقسى الكتبَ...
حينَ تخبرُك عن مصائرِ الأمم،
وعن أسرارِ النجوم،
وعن خرائطِ البحار،
لكنَّها تعجزُ عن شرحِ خسارةٍ واحدةٍ حدثتْ في قلبك.
في مكتبتي ليلاً...
أسمعُ عقاربَ الساعة،
لا كصوتٍ...
بل كمعولٍ صغير
يحفرُ في جدارِ العمر.
دقيقةً...
دقيقة.
وأشعرُ أنَّ الوقتَ ليس نهراً كما يقولون.
إنَّهُ مقصلةٌ بطيئة.
مقصلةٌ شديدةُ الأدب.
لا ترفعُ صوتها.
ولا تُلوِّحُ بسيفها.
لكنَّها تأخذُ كلَّ شيء.
الوجوهَ التي أحببناها،
الأماكنَ التي سكنتنا،
الأحلامَ التي خبَّأناها في أدراجِ الروح،
ثمَّ تمضي
كأنَّ شيئاً لم يكن.
أرفعُ رأسي نحوَ الرفوف
فأراها مثلَ شواهدِ قبورٍ أنيقة،
هنا شاعرٌ مات.
وهنا فيلسوفٌ مات.
وهنا مؤرِّخٌ مات.
وهنا... مئاتُ الأرواح المحفوظةُ بينَ جلدتين.
فأدركُ فجأةً
أنَّ المكتباتِ ليستْ بيوتاً للكتب،
بل مقابرُ مضاءة.
مقابرُ جميلة،
تنامُ فيها القرون،
ويجلسُ بينها الأحياءُ ليتعلَّموا معنى الفناء.
يا ليلُ...
كم يبدو الإنسانُ صغيراً حينَ يحاصرهُ الصمت.
وكم يبدو هشّاً حينَ يكتشفُ أنَّ عمرهُ كلَّه
لن يكونَ أكثرَ من صفحةٍ
بينَ ملايينِ الصفحات.
وحينَ يقتربُ الفجر،
ويبدأُ السوادُ بالتراجع عن نوافذِ المدينة،
أبقى في مكاني.
أمامَ كتابٍ مفتوح،
وأمامَ عمرٍ مفتوح،
وأمامَ سؤالٍ قديمٍ لم أجدْ له جواباً بعد:
كيف يمضي بنا الزمنُ بهذه القسوة،
دون أن نسمعَ صوتَ خطواته؟
حسام الدين
#مجتمع_ادب